الثلاثاء, 10 كانون2/يناير 2017 00:00

شرح خطاب للامام محمد ماضى ابو العزائم

Written by 
Rate this item
(1 Vote)


قال السيد محمود أفندي ماضي أبو العزائم
مفسرا لنا خطابا ورد من سيدنا ومرشدنا
الإمام الأكبر السيد محمد ماضي أبي العزائم
نفعنا الله به وأطال لنا بقاه آمين .


قال :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا فتاح يا عليم يا الله

(الحمد لله الظاهر بالاستجلاء في الآيات) . نعم .. إن الحق سبحانه وتعالى بعد أن خصص في سابق إرادته .. خلق العوالم ليظهر كل اسم بمقتضاه . أراد أن يتعرف إلى غيره به فخلق الإنسان - وهو آخرهم وجودا وإن كان أولهم إرادة وذلك من حيث أن أول الإرادة آخر العمل - فالإنسان كما أثبتت الكتب المقدسة خلق بعد خلق جميع العوالم وأهبط إلى الأرض بعد أن استكملت معالمها وتزينت بجميع زيناتها . ومعني سر هبوطه من جنة الفردوس إلى أرض الطبائع ليتكمل في نوعه حتى ينفذ من ظلماتٍ بعضها فوق بعض إلى نور {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} (البقرة : من الآية 115)

، فالحق سبحانه وتعالى جعل جميع العوالم مسخرة له ليرى بنور فكره البرهان الساطع والحجة الدامغة على أنه مطلوب الحضرة الإلهية فيفر من نفسه إلى منفسها ويرى أن في كل ذرة من ذرات الوجود داعٍ يدعوه للولي القريب الذي ظهر له بعد أن وهبه عيون التبصرة والتدبر في كونه بآيات باهرات - لا ليعرض عنها بل ليقتبس منها أسرار الحكمة العالية ويقرأ فيها آيات القدرة التي أعجزت العقول وحيرت الألباب بالاستجلاء الذي يستلزم ثلاثة أشياء : راءٍ ، ومرئيٍ ، وبصيرةٍ – لا غنىً لكل مرتبة عن غيرها في هذا المقام ، إذ لولا الرائي لما عرف المرئي ، ولولا البصيرة لما كوشف الرائي بحقيقة المرئي ، فالعالم كنز ،  والإنسان رمز ، والبصيرة كشف - وهذه أول مراتب السلوك التي نوَّهَ اللهُ عنها باستقرائها في الآفاق وحث على تفهمها ، وجعل من عطل القوة الفاكرة أو من اقتصر فيها على منافع الموجودات حتى سخر نفسه لاستثمارها لحظه وهواه .. كالأنعام بل هم أضل .
فإذا استكمل السالك في هذه المرتبة وصفت نفسه من لقسها .. علم أن هذه الآيات تشير من طرف خفي إلى مُبْدِعٍ قد أنشأ ما أبدع .. واجه بلوحة نفسه قدس التجليات ، فانعكست أنوار ما حوله من الآيات على صفحات الخيال التي هي أبواب المشكاة ، فما رسم عليها نوع منها إلا سبقه مدلول ذلك النوع بصورةٍ لولا التنزيه الكامل لوقع في هلكة التشبيه ، وكم من زَلـــَّــةِ في هذه المرتبة للأمم السابقة ، فلذلك لزم أن يسجد الخيال عجزا عن إدراك الملحوظ في آياته كما قال سيدنا :
قف يا خيالي ذلاً ســجوداً    *    هل تشهد الوجه بالمثال ؟
فإذا ارتسم على لوحة الخيال كل ما ظهر له فيما حوله .. رأى بعين البصيرة أنها مندمجة فيه ، بل إن ما لاح له فيه أكمل مما اقتبسه مما حوله ، وذلك لأن جميع الموجودات خلقت مجردة عن الجزء الإرادي الذي يسمونه عقلا . والإنسان - من حيث تأهله لحمل الأمانة اختيارا بنور العقل الموهوب - جمع ما لم يجمعه غيره من أسرار التجلي الأول ، فما من نوع من أنواع الخلائق إلا وهو صادر عن مقتضى اسم من أسماء الحق . والإنسان لكونه جامع لحقيقات العوالم في تراكيبه وعناصره وأنفاسه فهو بذلك أكمل مرآة وأتم لوح – بل هو الكتاب المسطور واللوح المنشور . والمشكاة في الإنسان أبواب المعلومات والمرئيات والمدركات ، فلزم من ذلك أن يكون ظهور الحق في هذه المشكاة التي تشهد ما في نفسها وما حولها بكل أنواع التجليات وذلك لاستعدادها الفطري بقبول تلك المشاهد وانكشاف هذه الحقائق .
        ثم أردف سيدنا رضوان الله عليه هذين الظهورين بظهور ثالث كامل فقال : (وفي الصورة الكاملة التي استغرقت الحقيقة الإنسانية حتى أخفتها بظهورها فظهرت أنوار الصورة حاجبة لظلال الحقيقة الإنسانية فعلا وحدثا معنى قوله سبحانه وتعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} (الأنفال: من الآية17)) . 
        هذا المقام لا تفي به العبارة إذ الحقيقة غيب والصورة هي في غيب الغيب ، فالقارىء لا بد أن يصغى إلى نور المعنى لا إلى ظاهر اللفظ لأن ظاهره يومي إلى الارتباك والاشتباه والتقييد والتحديد والحدود .
إذاَ .. ما هي الحقيقة الإنسانية وما هي الصورة ؟

حقيقتي الأولى هي النور مُشرق
    بها نزل التعيين أول نشأتي

فلما تجلت في المباني تحجبت
    بعنصره كي ما تــُرَى بالإشارة

فنزه عن الأغيار حسن جمالها
    تراها–ومن يرأى يشاهد حكمة

هي النور في آيٍ من الذكر رُتلت
    ومثل نعم يجلي المعاني الخفية

فكيف تــُرَى وهي التي بكمالها
    تنعم بالمجلى لصورة رحمة

فلا تبتعد عن مشهد الحسن ظاهرا
    وبادر إلى رشف الطهور الروية

فحكمة مولانا تعالت عن النهى
    وسر التعرف يُجلها لبصيرتي

    
حقيقة كل شيء سره ، وما كان الإنسان بعد أن تفتح له أبواب المعرفة بنور الهَدْي القرآني تنكشف له في نفسه كنوز تجعله دائم الحَيْرة تحققه أنه صورة التعرف للمعروف لما فطر عليه من ضعف وفقر وعجز وبلاء وعناء وذل ومسكنة ، كل هذه المعاني أحاطه الله بها بسور كثيف مادام في هذه الحياة ليلحظ سر العبادة فيقوم متوجها لخالقه بحلة عجزه وفقره واضطراره وهوانه ـ فهذه الصورة التي سبق في علمه تعالى إيجادها ليتعرف على غيره بها .. هنالك تتداركه العواطف وتتنزل عليه الفيوضات المتجلية بحسب مقتضى كل شأن تنزلا يستغرق الحقيقة يخفيها حتى تظهر أنوار الصورة الإلهية التي تنزلت على المقتضى بإيجابٍ سلبيٍ يكشف له سر ولاية الله له ، حتى إذا قوي هذا الحال صار المشهود الصورة والملحوظ الحقيقة - وهذا غاية ما في الإعجاز ، وهو سر من أسرار التجلي الثاني بالكلمة في قوله {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يّـس : 82) . وفي هذه النقطة بعينها هلكت اليهود والنصارى ، ولولا فضل الله ورحمته علينا بسيد الوجود ونور كل موجود لوقعنا فيما وقعت فيه النصارى وذلك لأنهم شاهدوا الصورة فجسموها وقالوا بالحلول ولم يلحظوا الحقيقة الظاهرة لهم كالشمس في رابعة النهار ، ولذلك ضربوا بأوهامهم خبط عشواء .. فاللهم رحماك . ولا يكون هذا الاستغراق الكلي إلا لفرد كامل ، إذ به يكون مجمع البحرين ، وهي التنزلات الإلهية والحلل العبدية  الاقتضائية ، حتى إذا ثبت في هذا المشهد كان برزخا بينهما جامعا بسر الاتحاد في المراد فارقا بنسبة الأضداد أبديٌ بصورته أزليٌ بحقيقته .
هذا ولما كانت الحقيقة معنوية والصورة ذوقية كان نسبة العقل والحدث إلى الصورة أكمل في مرتبة اليقين الكامل بعد تجمل الحقيقة بلا حول ولا قوة إلا بالله واستغراقها في تجلي الصورة التنزيهي التي أخفاها بعد فناء الحيطات والأعداد عن مشاهدها وتحققها بسر {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (الرحمن : من الآية 27) وهذا سر مرتبة الولاية الأحمدية الذي ابتدأ به العوالم وجمل به العالم من سر قوله ﷺ " أول ما خلق الله نور نبيك من نوره يا جابر "  ، فأشرقت حقيقة أنوار الظاهر في الظهور وأنوار الظهور في المظهر . الحقيقة التي ظهر بها الحق سبحانه وتعالى سناءً وضياءً وبهاءً ، ولا تنكشف هذه المعاني إلا في الصورة التي تغشى الحقيقة ومشكاة الحقيقة مظهرا لها ، فصح من ثم أن تكون المشكاة التي هي مدلول الحقيقة في تجليها الأول ظهورا ، وعند استغراقها في الصورة مظهرا عجزت الأرواح عن دركه – وكيف لا والأرواح الكاملة أُسْجــِِدَتْ لهذا المظهر إعجازا عن دركه وحَيْرَةً في فهم سره . ولما كان هذا المظهر الأول يُجْلَى لهذه الأرواح المجردة الآلهةُ لشهود جمال الجميل أُذ ِّنَ لها بالطواف حوله – إلى ذلك يشير سيدنا رضوان الله عليه : ( حتى أذن  في الأرواح بالحج إلى الأنوار المجلوة لاستجلاءٍ في ظهور المظاهر في المظهر كما أذ َّنَ في الناس بالحج إلى بيت الخليل ) ...
وإلى هنا وقف المفسر رضي الله عنه وأرضاه ، والبقية ستأتي إن شاء الله .
6 رجب 1336 هـ

 

Read 122 times Last modified on 06 نيسان/أبريل 2017
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com