الثلاثاء, 10 كانون2/يناير 2017 00:00

قصيدة وشرح بعض أسرارها

Written by 
Rate this item
(1 Vote)


قصيدة وشرح بعض أسرارها
لسماحة السيد محمود أفندي ماضي أبو العزائم



 يا معاني الأخفى بأفق التجلي    *    قدِّسي هيكلي بمعنى التـــدلي
يعني بذلك أطال الله عمره ونفعنا به وبعلومه : إن الله سبحانه وتعالى ذو أسماء وصفات سمى بها نفسه وقامت بها الكائنات علويها وسفليها ، وأن هذه الأسماء والصفات لها ظهوران :
•    ظهور حق لحق : وهذا لا يعلمه إلا الفرد الكامل .
•    وظهور خلق لخلق : وهذا على مراتب ثلاث :
1.    ظهور في مظاهر : من حيث تعلق الأسماء والصفات بمقتضياتها من عالم الخلق والأمر .
2.    ظهور في مرائي : من حيث تحلي الإنسان الكامل بمعاني أضداد الأسماء والصفات وانبلاج معانيها فيه من حيث الإيجاد والإمداد .
3.    ظهور لظهور : من حيث انمحاء الأعداد وبقاء الآحاد .

وهذه كلها مراتب الخفا . أما مراتب الأخفى : فهي لا تــُرَى ولا تــُشهَدُ إلا للسر وهو سويداء القلب . والمعنى من الحديث القدسي " ما وسعتني عرشي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن " - فهو رضي الله عنه بالظهور الأخفى في السر بأن يقدس هيكله عن شهود التشبيه المحض وهي رتبة شهود الحق للحق الذي اختــُصَّ به السر لا غيره ، تلك الخصوصية التي وسع بها الرحمن تكون مرحلة التدلي العبدي أمانا له من الزلق في أوحال التوحيد - فلذلك قال رضي الله عنه :
 أشهديــــني نارا بنسبة طيــــــــــني    *    كي أرى النور ظاهرا من حولي
يعني بذلك رضي الله عنه أن الهيكل الإنساني لا يمكنه شهود التجليات الخفية والأخفى إلا بعد احتراقه بنار الحب المناسبة لطبيعته الآدمية ، حتى إذا تطهر ذلك الهيكل بنار الحب والوجد والمجاهدة تمتع بشهود نور التجليات ظاهرا من حوله : فيرى بعين بصره الآثار وآيات القدرة التي أعجزت العقل ، وبعين بصيرته يرى شروق تجليات الأسماء والصفات قائمة في مقتضياتها فيصح له بذلك التجلي الأول - ولذلك قال رضوان الله عليه :
 بيَ أسرى وجدي وطاف فؤادي    *    بمعـــــــــاني الخفـــا فصح التجلي
يعني أن براق الحب والوجد أسرى به لشهود الأسماء والصفات مؤثرة في مقتضياتها ـ ذلك هو معاني الخفا فصح له بهذا التجلي الأول في المراتب الخلقية - وبقوله :
 وبليل الظهور أشرق نــــــــــور    *    في سما ظاهري يشير بنيْلي
يعني بذلك أنه إذا صفا الناسوت من أدران حسه يُجَمَّلُ بحلل أضداد الصفات التي هي ليل الظهور ، فأشرق نور تجلي الظهور في المرائي بعين الفيض الأقدس ، يشير بذلك إلى نيل انبلاج الأسماء والصفات فيه ، فيجمع بذلك بين النقيضين وذلك من معنى  قوله :
 فعيــــــــوني قد قيدت بظهور    *    ثم فك القيود قربي ووصلي
يعني بذلك رضوان الله عليه أن عيون بصره وبصيرته قيدتا أولا بظهور التجليات في المرآة ، ثم فك تلك القيود بشهود قرب قرابته من حيث تجمله بأضداد الأسماء والصفات ، وقرب وصل من حيث إشراق الأسماء والصفات متجلية فيه ، ثم ارتقى عن هاتين المرتبتين بفنائه عن شهود الظهور الذي كان مقيدا به قبلا بالتجلي الحقي وانمحاء التجلي بإشراق معاني الأسماء والصفات في نفسه - فقال مشيرا لذلك :
 قد محى ظاهر التجلي ظهـورا    *    ومعاني الأسماء تمحي التجلي
ثم ارتقى من أفق التقييد إلى أفق التنزيه الإطلاقي فتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات ، وعندها أشرقت شموس السر وساحت العوالم الناسوتية - فقال رضي الله عنه مشيرا إلى ذلك المقام :
 وبأفق التنزيه ظهرت شموس    *    مشرقـات فصرت من غير ظل
وهذا الظل هو الأنانية التي بها الإنسان إنسان عاقل ، فانمحاء الظل إشارة إلى تقلص القوة العقلية عن إدراك هذه المشاهد الحقة ، ثم أشار إلى تلك الشموس التي تضيء في القلب بقوله :
 هي سبعٌ في كل قلب أضاءت    *    وأنا عنــــدها محيــــــــــــط الكل
وهذه السبع هي شموس الصفات وهي : الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام ، كما أشار إلى ذلك رضي الله عنه في بيت من قصيدة أخرى :
لديها يلوح النور من ظاهر    *    على أرجاء الفؤاد الخفية
وهذه الشموس وإن كانت موجودة في عالم الناسوت قبلا إلا أنه بعد أن تبدلت أرض القلب وسماؤه تبدلت هذه الصفات من الوجود الإمكاني إلى الوجود الواجب وذلك من قوله ﷺ في الحديث القدسي " ... كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ... " - فلذلك أشار رضوان الله عليه :
 بعد طَيٍ نشروا معانٍ تعـــــــــالت    *    فانمحى الكل من تخيل فصل
أي بعد أن انطوت معاني صفات الناسوت نشروا معاني صفات اللاهوت فكان هذا النشر المبين فيما سبق ماحيا لمعاني صفات الناسوت ناشرا لحقيقة معاني اللاهوت ، ثم أشار إلى القلب الذي أشرقت فيه تلك الصفات هو عرش الرحمن وحملة ذلك العرش ثمانية مستدلا بذلك من الآية الشريفة {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} (الحاقة : من الآية 17) . حتى إذا ما تم شروق تلك الشموس صار هذا الهيكل الإنساني هو الكعبة التي سجدت لها الملائكة فأشار إلى ذلك بقوله :
 وثمان حملت حقيقة وصفي    *    وعجيب أني لذاتي أصلـــي
أما حملة الصفات فهي الجوارح التي هي مفاتيح دنان الشهود الحقي .
إلى هنا غابت معاني التجليات ، وأشار من طرف خفي إلى إشراق المجلى الذاتي - فقال رضي الله عنه وأدام الله بقاءه :
غاب وما كنتُ شاهداً بعيـــــــوني    *    وبدى الغيب ظاهراً ليَ مجملي
فك كنز في هيكلي فانجلت لي    *    فيه شمس لا تكـشـفـن بالقــــــول
هذا الكنز هو النفخة القدسية التي أسجد الله سبحانه وتعالى ملائكته فيه ، وهي شمس علية عن الإدراك والتحديد لأنها من نوره سبحانه وتعالى ، وعند ذلك فنى في المكانة الأحمدية حيث قال رضوان الله عليه :
 وغشتني سبحات وجهٍ عليٍ    *    غيبتني عني بأنـــوار أصلي
فغاب عن نفسه فانيا في تلك الحضرة التي أرجعته إلى {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء : من الآية 104) . فلما بلغ إلى تلك الرتبة نظر إلى ما سلبت منه من شهود الجمال التنزيهي فقال :
 كنت قبلا منزها بـشـهــــودي    *    حيطة العقل بانتساب العقل
فلما بلغ رضي الله عنه تلك الرتبة التي يحلو فيها التشبيه بشهود النور بالنور أشار لذلك :   
 ثم كان التشبيه معــراج أنسي    *    عند صفوي وبهجتي بالتجلي
فلما تمكن من هذا المشهد وجد أن منتهى علمه هو العجز عن درك الإدراك :
 أشرقت شمسه أخفت رسومي    *    فتحــققــت بعد ذلك جهـــــلي
ثم حلا له مقام التنزيه الأول في مراتب التجليات فقال :
 فكأنيَ في البعد كنتُ قريباً    *    لابتهـــاجي ولذتي بالتجلي
ثم بلغ مرتبة التمكين وأشار إلى قرب القرابة الابتدائي فقال :
 وبقــــربي ظهر الجميـــل فأفـــنى    *    بجمال الأوصاف كوْني وحولي
وقد بين رتبة الحق والخلق ثم جمع بينهما من حيث الجمع بين الأضداد فقال :
 هو هو ظاهر وذاتي ظهور    *    لا بفـــصلٍ عنها أو بوصــــــل


فتحير في هذا المشهد .. أذاك عيان أم بيان ؟
وإن لله سر لا يباح ونور لا يلوح


اللهم علمنا ما لم نكن نعلم ، وقونا وأعنا على العمل بما نعلم ، وانفعنا بسيدنا ومرشدنا وإمامنا السيد محمد ماضي أبو العزائم ، وأدم لنا بقاءه ، ومتعنا برضاه آمين - بجاهه عندك يا رب العالمين .

 

Read 197 times Last modified on 12 كانون2/يناير 2017
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com