الثلاثاء, 10 كانون2/يناير 2017 00:00

قصيدة السلوك وشرح بعض أسرارها

Written by 
Rate this item
(1 Vote)

قصيدة السلوك وشرح بعض أسرارها

لسماحة السيد محمود أفندي ماضي أبو العزائم



  غاب عن عيني بمعناه العلي    *    وتراءى لي بذا الأثر الجلي

يقول ﷺ" إن لله سبحانه وتعالى سبعين ألف حجاب من نور لو كشف منها حجاب واحد لأحْرَقَتْ سبحات وجهه ما وصل إليه ". فالغيبة هنا تنزيهٌ له سبحانه وتعالى عن التقييد والتحديد والحلول والامتزاج الذي هو من مقتضيات حاسة النظر واحتجابه سبحانه وتعالى بحجب العزة والكبرياء المشار إليها في الحديث الشريف ، وإنما احتجب سبحانه وتعالى عن عيون حجبت بالآثار ونفوس تدنست بالأقذار . وفي معنى آخِرِ الحديث إشارة دقيقة إلى أنه لا يشهد نور القدس الأعلى الذي إذا كشف عنه تلك الحجب لأحرق كل ما وصل إليه - دلالة واضحة على أن الواصل لا يتمكن من مشاهدة تلك الأنوار إلا بعد انمحاقه وفنائه عن نفسه ببقائه بربه -  ولذلك قال رضي الله عنه (وتراءى لي بذا الأثر الجلي) .. أي أنه سبحانه تجلى له في الآثار وفي نفسه تجليا أشهده ظهوره سبحانه في خلقه . ثم رفع اللثام عن معنى ذلك الظهور وبيانه لكي لا يتوهم السامع أنه سبحانه وتعالى حل في الأشياء أو امتزج بها - تنزه سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .. فقال رضي الله عنه :

  فعيون الرأس تشـهد مظــهراً    *    وعيون السر شاهدت الولي


        خلق سبحانه وتعالى الأشياء بسابق علمه وتقديره ، فهى محدثة به سبحانه ، وذلك لتمام مقتضيات أسمائه وصفاته حيث اقتضت المشيئة الإلهية أن يكون لاسمه الحي أثر يؤثر فيه ، فهو سبحانه وتعالى باسمه الحي ظهر في الكون المحسوس ظهوراً لا بتحديدٍ ولا بتقييدٍ إذ الأشياءُ ليست محِلاً له سبحانه ولا هو محل لها ، وإنما هي مظهر لمقتضيات أسمائه جل الله سبحانه وتعالى عن الحلول في مكان أو التقييد بالأين والزمان – هذا مبلغ ما تراه عيون الرءوس . وهناك سر لا ينبلج إلا لعيون سرائر النفوس الذي أشار إليه رضي الله عنه بقوله (وعيون السر شاهدت الولي) . وهنا ينبغي لنا أن نبين الفرق بين الرؤية والشهود والإدراك - إذ هي ألفاظ مترادفة متفقة المعنى عند العامة ولكنها مختلفة عند أهل الذوق ، والفرق جلي واضح لمن منحه الله تعالى دقيقة المعرفة :

·        فالرؤية : هي وقوع النظر على صورة يمكن أن يتخيلها ،

·        والإدراك : هو حقيقة معرفة الشيء والإحاطة به ،

·        والشهود : هو انبلاج معاني الصورة وانكشاف بعض الحقيقة .

فعلى ذلك ترى أن الشهود بين الرؤية والإدراك . وإدراكه سبحانه وتعالى مستحيل على كمل الرسل والملائكة إذ لا يعرف الله إلا الله ، وأما رؤيته سبحانه وتعالى فقد أثبتها الله تعالى في القرآن الشريف في غير موضع حيث قال ﷺ "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا "، هنا نفى الرؤيا ما دام الإنسان مقيدا بعقله محجوبا بحظه . وفي إشارته ﷺ"  حتى تموتوا " أن الرؤيا التقييدية التي يتوهمها العامة مستحيلة بنص الحديث الشريف ولكنها شهود معاني المحبوب جل وعلا منبلجة لعيون السرائر حيث قال رضي الله عنه (وعيون السر شاهدت الولي). ثم رجع رضي الله عنه بالسالك إلى حجب الآثار والحظوظ والأغيار التي كانت تحجبه عن شهود الجمال المقدس فقال رضي الله عنه ونفعنا به وأطال الله بقاه آمين :

 كانت الآثــــار رمــــزا حاجـــباً    *    عن شهود القلب للسر الخفي

أي أن تلك الآثار المحيطة بنا سَبَحَ فيها العقل المقيد إلى حد لم يتعداه ، وكيف يتعدى العقل المقيد المادة وهو محجوب بكثافتا ؟ وكثافتها هذه رمز للإخبار ، إذا فُكَّ طِلَّسْمُهُ لهم وقعوا على الأسرار الخفية وهي سر سريان القدرة في الكون المحسوس والدليل الموصل إليه سبحانه وتعالى بأقرب سبيل حيث قال رضي الله عنه :

 وهي آي أشرقـــت ودلائـــل    *    والطهور الصرف للعبد الوفي

يُرْتَشَفُ منها عجائب القدرة وغرائب الحكمة الإلهية للسالكين ، ومدام الذكرى لكل من ألقى السمع وهو شهيد ، وراح الأنس والجمع للواصلين . قلنا كما سبق أن هذه الآثار رموز على كنوز ، فمن كُشِفَتْ له تلك الرموز شاهد الكنوز ، والكنوز هي إشراق معاني الأسماء والصفات لعيون النفوس التي تخلصت من أوهام العقل المقيد . هذه الآثار هي كما قال رضي الله عنه حُجُبُ ُ لمن ناوءوا وغرقوا في ظلمات الغفلة ، ودلائل لأهل الحق الذين طلبوه بقلوب مُسَلِّمَةٍ وأبدان هينة لينة وعقول ساجدة عاجزة عن إدراك  حقيقته سبحانه . وفي قوله رضي الله عنه (للعبد الوفي) إشارة إلى أن هذه الآثار هي طهور يرتشف منه العارف الذي يوفي بأمانته طهور التوحيد الخالص ، والوفاء بالأمانة هي معرفته لنفسه وأن يرجع بنفسه إلى ربه ، والأمانة هي معاني الصفات (الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام) تحملها الإنسان ولم يتحملها غيره من سائر المخلوقات ، فمن لم ينسبها إلى مولاه ضل وغوى ، ومن نسبها إليه سبحانه واعتقد أنها من جلائل نعمِهِ عليه فذلك هو العبد الذي وفــَّى . وكما أن الآثار آيات دالات على عجائب قدرة الله تعالى ودلائل على وحدانيته ومدام التوحيد الخالص بلا مزج للعارفين .. فكذلك هي كما قال سيدنا رضي الله عنه :

 وهي طلسم على الغيب الذي    *    ردَّ عنـــــــه كل معــــقول غــــوِي

أي أنها طلسم على معاني تجليات الأسماء والصفات الذي لا يحوم حواليها العقل المقيد المحتجب بالمادة ، فالإنسان المحجوب بعقله لا يمكنه أن يذوق معاني تلك التجليات بعقله - اللهم إلا إذا كشفت له تلك الطلاسم على يد العارف بعد التسليم والانقياد - ولذلك قال رضي الله عنه وكاشفنا الله بحقيقة معرفته :

 سترت كنز المعاني وهــــــو أن    *    يخفى عن عينيْ محبٍ ووصي

أي أن تلك الطلاسم أخفت الأسرار المنطوية في الآثار من معاني الأسماء والصفات، ولكن هذا الكنز لا يخفى على من اختصهم الله تعالى بسابقة الحب وولاية الخلافة عن الرب ، فكان السالك عندما اتضح له ما في الآثار فقال لها :

 أيها الآثـــــارُ كنتِ مقاصـــــــدا    *    تشغلين القلب بالحظ الدني

وهي والحق يقال كانت في عين السالك قبل معرفته لحقيقتها مقاصداً يكدح ويكد في طلبها لا ينظر إلى شيء سواها ، فمن الناس من يهجر طِـيبَ المنام في طلب مالٍ أو امرأةٍ أو اقتناء بيت أو دابة أو ملبس ويجعل مطلبه هذا كعبة له ، والمغرور نسي أن هذه الآثار إنما أبدعها الحكيم القادر لتكون واسطة للتعرف إليه ومطية للوصول له سبحانه غرَّهُ ظاهرها فحسب أن هناك شيئا - كالظمآن في الصحراء يرى السراب فيتبعه فلا يجده شيئا .. هذا كله قبل فك تلك الطلاسم حيث أشار رضي الله عنه ومنحنا حبه الخالص :

 قبل فك القفل إذ كان الهوى    *    هــــاويــــا بي وأرى ذاك رُقِــيّ

                 وذلك لاحتجابه بحظه وهواه الذي هو غاية مقصده منها {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} (الجاثـية : من الآية23) الآية الشريفة ، وذلك لأن الهوى إلهُ ُ يُعْبَدُ عند أقوامٍِ هَوَوْا به في النار {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف : 104) . ثم ألمع رضي الله عنه إلى السبب الذي أوقع الإنسان في هذا المشكل العظيم فقال فتح الله لنا قلبه وقرَّبنا منه :

 حينما كان الملائم مشـبها    *    مطلبي كالبهائم شبع ورِي

أي أن ذلك الإنسان احتجب بنعمة المنعم سبحانه وتعالى فكان ما يلائم حظه وهواه إلهٌ له من دون الله وإنما هو يشبه الحيوانات التي لا حَظَّ لها إلا الأكل والشرب ونيل ما يشتهي {أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف : من الآية 179) ونسي أن هذه النعم إنما جعلها الله سبحانه وتعالى لتقرب الإنسان من ربه وتوقظه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة فتقربه إلى فسيح الملكوت الأعلى حيث أشار إلى ذلك رضي الله عنه :

 ثم لما فك قفلي أشرقــت    *    فيك أنوار الهداية للصفي

يقول الله تعالى {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد : 24) . وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن بالتفكر والتدبر في آيات الله سبحانه وتعالى ، وحذر علينا الشارع سبحانه وتعالى بأن نفكر في ذاته سبحانه كما قال لنا على لسان الصادق الأمين " الفكر في آلاء الله لا في ذات الله ". والإنسان الذي منحه سبحانه وتعالى الحكمة هو من أهل جواذب  العناية . وإنما هلك من هلك من أهل الملل الأخرى لبحثهم بذلك الفكر المقيد بالمادة عن ذات الله تعالى وذلك محال ، حتى وقع بهم هذا البحث على التشبيه والتمثيل والقول بالتقمص والتجزئة والحلول - تنزه سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن كل ذلك . فالسيد مولانا أبو العزائم رضي الله عنه وأمدنا الله بروح منه يقول : إن تلك الآثار بعد فك القفل وتخليص القلب من أغلال العقل المقيد واستخدامه فيما خلق له ظهر له بذلك في الآثار أنوار هداية وولاية ودلالة قرَّبته قرب عبودة له سبحانه بعد العجز عن أداء الشكر الواجب للمنعم على ما أنعم فصافاه سبحانه وتعالى واصطفاه بسابقة الحسنى وصارت هذه الآثار بعد أن كانت حجباً وأغيارا وظلالا وأوصافا .. حاناً لظهور التوحيد وشهود قدرة القادر سبحانه ومعراجا للوصول إليه على براق المحبة - فلذلك قال رضي الله عنه وأمد الله لنا في حياته :

 صرتُ حاناً للطَّـــهور وسلَّماً    *    للعروج إلى مشاهدة العلي

فنادته الأسرار : أيها السالك المطلوب إلى حضرة القدس الأعلى : أنا لم أتغير مما كنتُ عليه إذ أنني مظهر من أسمائه وصفاته ، وإنما أنت رمز تلك الأسرار ومفتاح تلك المعاني القدسية ظهر فيك سبحانه بكل معاني أسمائه وصفاته فاحتجب عن عين بصيرتك بحظوظ نفسك وشيطانك - فقال رضي الله عنه مشيرا إلى ذلك :

 أنت كنتَ الرمز المطلسم على    *    تلكمُ الأسرار والنـــــــور المُضِي

وما أصدقها في ذلك لأن الإنسان الذي حمل الأمانة لو كُشِفَ له القناع عن الأسرار الخفية المكنونة فيه والكنوز المطلسمة بحُجُبٍ هي كثيفةٌ على من أضلهم الله وشفافة على من اجتباهم الله لعلم منها كما قال نفعنا الله به :

 آيتي لم تخفَ عن ذي فكرة    *    طهرت من نزغ شيطان غوي

فسبحان من أبدع الآثار وظهر فيها بعجيب الأنوار وكاشف أحبابه بأسراره في خلقه ، وما أقرب الطريق بين العبد وربه على الذين اختصهم الله تعالى بسابق العنايته الإلهية إذ هي :

(نظرة ففكرة فعبرة فحب فاصطلام فسحق فمحق ففناء فوجود به سبحانه وتعالى – وهو القاهر فوق عباده وهو اللطيف الخبير) . ثم أراد رضي الله عنه أن يرتفع بالمريد من حضرة الفكر والتدبر في آثار الله وعجيب صِنعتِهِ إلى الفكر في نفسه وما فيها من الكنوز الخفية فقال : إن مبلغ ما تراه من الآيات هو ضياء التجليات - مشيرا إلى ذلك بقوله رضي الله عنه :

 أنت عند الصفو تشهدني ضيــا    *    مشرقا عن مبدع الكون القوي

وهذا الشهود مُؤدٍ إلى القرب كما قررنا سابقا ، فإذا عرج السالك من حضرة التلوين ووقف على قدم التمكين شاهد في نفسه ما تعجز العبارة عن شرحه فيكون بذلك هو طرَّة الكتاب المسطور وقلب العالم كله إذ العالم خلق لأجله - فقال رضي الله عنه مشيرا إلى ذلك :

 ولدى القرب تراك دلائـــلا    *    آية كبرى لمن ذاق الرَّوِي

نعم إن لفي الإنسان أسرار عجز العالم كله عن استيفاء ظاهرها .. فكيف بما تضمنه من معاني جمالات الربوبية وكمالات العبودة واختلافات النفوس المنطوية في الذات الإنسانية ـ ولا شك أنه كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه (أتزعم أنك جرم صغير  *  وفيك انطوى العالم الأكبر) ، وكما قال سيدنا رضي الله عنه في حكمة له (الإنسان عالم صغير والكون إنسان كبير) . ولا شك أن من احتجب عن تلك الآثار بحظه وهواه فهو كالحمار يحمل أسفارا ، ومن كُشِفَ له عن تلك الأسرار ولم يشمر عن ساعد الجد في عمل القربات لِفَكِّ غلِّ أسر نفسه فهو من الملومين كما قال سيدنا رضي الله عنه :

لُـــمْ إذاً نفسك واعذرني فـ طه    *    وَضَّحَ الحق بلا حجـــــب جلي

أرمدُ العيـــنين لا يقوى على    *    مشهد الأنوار والنهج السوي

وَأَنــَّا له ذلك وهو كالخفاش لا يسعى إلا في الظلمات ولا يقوى على شهود الأنوار المشرقة في الآثار ، وإن شاهدها فإنه يحجم عن مواجهتها لسابق شقائه والعياذ بالله ، فهو يتخبط في دياجين ظلام حظه وأوهام نفسه والآثار تناديه : هلمَّ إليَّ بعيون فكرك واشهد ما فيَّ   من بديع الأسرار وغرائب حكمة الأقدار - فلا يعروها نظرة ولا يمنحها لفتة والمسكين هاوٍ في مهاوي غفلته يتخبط في شك وريب وهوىً مُتبع وفساد عقيدة واكتساب آثام ، نعوذ بالله من ذلك ونسأله أن يمنحنا عين الفكرة ونظر العبرة ونور الهداية إلى الصراط المستقيم ، ويوفقنا أن نشكر الأواسط التي أشرقت فيها أنوار الهداية والدلالة ، وأن نرجع باللائمة على أنفسنا لاحتجابنا عن تلك الأسرار المنبلجة في الآثار - فنقول :

أيها الآثــــــار لم أك لائــــــــما    *    أنتِ نورُ للهدى من غير غي

أنت يا دلائــــــل بينـــــــــت    *    سبل الحق وإحسان الولي

فالآثار من حيث أنها آيات على عجائب القدرة والحكمة فهي دلائل تثبت كمالات الذات الأحدية ونور يهدي به الله من يشاء سبل السلام - فلذلك أشار رضي الله عنه بقوله :

 لاح نـــــــــور الحق لي فأنقذني    *    بعد طول الغي من هذا الركي

وهنا رضي الله تبارك وتعالى عنه خلص السالك من أوحال الشرك بشهود الأواسط والاعتماد عليها التي هي إنما معارج لمن جذبتهم يد العناية فلذلك قال : إن ما سبق تفصيله من بيان السبيل وانكشاف حكمة الأسرار لا يجدي نفعا إذا لم تسبق العناية الإلهية ، وشهود تلك المعاني في حال البداية دليل جلي على أن المشاهد من أهل الخصوصية متى علم وعمل . ولا حول للإنسان على نيل تلك الدرجات العليا والمراتب الكبرى إلا بسابق عنايته سبحانه وتعالى ، فلذلك قال رضي الله عنه :

 رفعــــت قدري العناية مِنــَّــةً    *    درجات بالرضى بعد الهُوِي

وهنا إشارة إلى مقام التسليم مرموزة في قوله رضي الله عنه (بالرضىَ) . ومقام التسليم من أكبر مقامات أهل الذوق - وهو جماع مقام الرضا والتوكل والتفويض ، فالواجد الذي انجذب بكليته إلى حظائر القدس الأعلى بشهود الآيات في الآفاق وفي نفسه ، ثم التجليات بعيون قلبه .. لا تكمل هذه المشاهد عنده إلا إذا كمل في مقام التسليم وهو الاستسلام لما أراده الله تعالى وقضاه . والرضا هو ما ينصرم به القلب في مقامات اليقين حتى يشهد المر حلوا والنار بردا وسلاما والألم لذة ، ومتى تمكن العبد في هذا المقام أناب إلى ربه وأخبت {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} (الزمر : من الآية 54) فتبدل أرض البشرية بشهود إشراق لأنوار صفات الربوبية متجلية على ذلك الهيكل الإنساني بأنوار الإيجاد والإمداد والهداية والدلالة والبيان تجليا ليس منفصل عنه ولا متصل به ـ وهو كما قال رضي الله عنه (تجلي رب لمربوب أراد فقدر فتنزل عليه بسوابغ الآلاء وعظيم النعمى) . ومتى كمل العبد في مقام الرضا وعلم أن هذا الرب المتصف بجميل الأسماء والصفات – صفحة 17 مفقودة في المخطوطة – فلذلك قال رضي الله عنه :

 كان علمـــــي أولا جهــــــلا بــــــــه    *    صار جهليَ العلمُ والأخفى جلي

إذ لا يحيط العلم بجماله وجلاله .. فكيف يحيط بكنه ذاته ؟ والجهل في هذه المرتبة علم إذ هو عجز عن إدراك حقيقته سبحانه كما قال ذلك العارف (والعجز عن درك الإدراك إدراك) . والأخفى هو إشراق مجالي أحدية الذات منبلجة لعيون السر قائمة بأضداد صفاتها في مرتبة العبد الكامل حيث يكون المؤمن مرآة المؤمن فينجلي بذلك معنى قوله رضي الله عنه وأرضاه :

 صار ذلـــِّيَ العز والفقرُ غنىَ    *    وأنا العبــــــد لمولانا العلي

وكيف لا ومقتضيات أسماء الجمال والجلال لا بد لها من مظهر تظهر فيه جلية واضحة

حيث أن هذا هو سر إيجاد الخلق لقوله سبحانه وتعالى {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} (مريم : 93) ، ولا تكمل حقيقته إلا بظهورها في العبد الكامل حيث يكون بذُلــِّهِ وفقره وفاقته للإمدادات الإلهية غنياً به سبحانه عن كل ما سواه عزيز به سبحانه لا يُذَلُّ لأحد من خلقه ، ليس لأحد عليه سلطان إلا بما أمر به سبحانه وتعالى من إيفاء حقوق الخلق . ومتى تحقق العبد بصفات العبودية الكاملة تنزل له سبحانه بأنواع الجمالات الإلهية وصار القلب وعاءً لهذه التنزلات وذلك لتحقق ظاهره بأضداد الصفات- فلذلك أشار رضي الله عنه بقوله :

 جبر القلـــــــب فشاهــــــــــــد آية    *    تنبي عن جبروته في كل شي

والجبر هو إشراق معاني العظمة والكبرياء الإلهي على القلب حتى يشهد تلك العظمة في كل شيء فتزداد خشية القلب ورهبته من جلاله سبحانه ورغبته في جماله حتى يكون الحق معالم بين عينيه {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (قّ : من الآية16) - فلذلك أشار رضي الله عنه بقوله :

 صار عقد القلب والقلب غَدَى    *    بيتهُ المعمــــــــورُ بالنور الجلي

يقول الله تعالى على لسان حبيبه المصطفى " أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي " ويقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل : 128) . والقلب من حيث أنه محل لواردات الحق فهو بيت عامر بأسرار الجميل سبحانه وتعالى – قال الله تعالى لعبده داوود " يا داوود إبْنِ لي بيتاً " فبنى له بيت المقدس ، ثم قال له يا رب بنيت لك بيتاً ، فقال له سبحانه " هذا بيتك أما بيتي فهو قلبك " . والعجب العجب أن يسع هذا القلب ما لا يسعه العالم كله من تنزلات الجمال والجلال والكبرياء والعظمة والجبروت الإلهي ، فبينما تراه آنساً مبتهجاً بما أفيض عليه من أنواع الألطاف .. تراه في هيبة ورهبة وخشية من تجليات الجلال ، فهو بذلك جامع للضدين مُعَمَّرٌ بأنوار التنزلات الربانية ومجملٌ بجمالات العبودية . ربما يتوهم بعض من لا خلاق لهم أن هذا القلب الصنوبري وسع الحق سبحانه وتعالى سعة تحديد وتقييد – تنزه سبحانه .. هذا شرك محض إذ كيف يسع المولى جل وعلا خلقا من خلقه – وهو كما قال رضي الله عنه وأرضاه :

 لم يحـــــــط عرش وكرسيٌ به    *    نزه المجد العليَّ عن الدني

فالعرش والكرسي لم يحيطا بالمولى عز وجل إذ كيف يَسَعا من لا مثيل له أو يحيطا بمن لا كيفية له ولا حد لذاته ولا عد لصفاته ؟ أم كيف يكون مفتقراً إلى أحد منهما أو محمولا عليهما ؟ ولما كان الرحمن اسمه  والاستواء صفته – وصفته متصلة بذاته .. فكيف يتصل بأحد من خلقه أو ينفصل عنه ؟ وما أحلى ما قاله لسان حال العرش في ذلك المعنى من كلام سيدنا في قصة المعراج : ( يا محمد : لستُ بالقريب منه وصلاً ، ولا بالبعيد عنه فصلاً ، ولا بالمطيق له حملاً ، أوجدني منه رحمة وفضلا ، ولو محقني لكان حقا منه وعدلا ، يا محمد : ..... سطران مفقودان ..... ومظاهر وأواسط ومرائي تجلى فيها سبحانه لكمال مقتضيات الأسماء والصفات ) كما قال :

 ظاهر بجمــــــــــــــــــــاله لبصائر    *    والأواسط كالمرائي يا أُخــََيّ

ظهوره في الكون المحسوس تلحظه عيون البصائر وهو إنما تجلى فيها تجليا جماليا لسابق رحمته من قوله سبحانه " سبقت رحمتي غضبي " ، ولولا هذه السابقية لما وجدت السماوات ولا الأرضين ولا عوالم الإنس والجان ولا عوالم عالين والملائكة الكُروبين والمقربين - فكلٌ يسبح بحمده ويقدس له . وهذه المظاهر التي شوهد فيها الحق عز وجل هي كما سبق واسطة للتعرف به سبحانه ومعراج للوصول إليه ، والمرائي تتجلى فيها معاني الأسماء والصفات للأرواح المقدسة الزكية ، وجماع تلك المظاهر هو الإنسان الكامل الذي تحقق ظاهره بأضداد أسمائه سبحانه وقلبه معمر بشهود جميع الأسماء والصفات وسره مشرق بحقيقة أحدية الذات ، فهو بتنزله إلى أطواره الأولى يستنزل فيض عواطف الذات الأحدية حتى يبلغ من مشاهده القدسية مبلغا لا يكون بينه وبين ربه بَيْنٌ فتقع العين على العين - ودليل ذلك حديث رسول الله ﷺمن قوله " المؤمن مرآة المؤمن ". هذا قبس من معنى ظهوره - والله أعلم . ولما كان الحس من أكبر الحجب بين العبد وربه .. إحتجب سبحانه وتعالى عن خلقه حتى لا يكيفه الحس ولا يحده ولا يعده - إذ لو أمكن ذلك لكان كأحد من خلقه وهو سبحانه وتعالى تنزه عن ذلك علوا كبيرا ، فهو سبحانه باطن في سترات المجد والكبرياء لا تحيط به الألباب ولا تدركه الأرواح المقدسة كما أشار إلى ذلك رضي الله عنه بقوله :

 باطن مجدا وعظموتا فلا    *    تدركنــه روح ملك أو نبي

وكيف تدركه تلك الأرواح والإدراك كما بينا سابقا هو الإحاطة بكنه حقيقة ذاته وذلك من المحال لأن كل ما أدركتَ حقيقتـــََُه أمكن تمثيله أو تكييفه وهو سبحانه تنزه عن ذلك علوا كبيرا كما أشار إلى ذله رضي الله عنه بقوله :

 نــُزهَـــــــتْ ذات العليِّ تقدست    *    عن معاني الكيف أو مِثــْلٍ وَزَيّ

ولما كان سبحانه وتعالى منزها عن إدراك أرواح الملائكة والنبيين وكانت جمالاته العلية وأياديه الربانية ونعمه هي كالمرائي للعارف تنجلي منها معاني أسرار ذاته الأحدية .. تألهت له الأرواح وحنت له الأشباح ، فسبحان من ألــَّــهَ الأرواح المقدسة العلية بشهود مجلى ذاته الأحمدية وحير الألباب في عجائب قدرته العلية إذ الكل في هيام واصطلام للمولى عز وجل كما أشار إلى ذلك سيدنا رضي الله عنه :

 كل روح قدست وتجملت    *    في هيام واصطــلام للولي

الأرواح عند أهل الذوق على نوعين : روح ملكية ، وروح قدسية . والإنسان من حيث أن الله تعالى خلقه على صورته .. فهو جماع لكل النفوس الحيوانية والبشرية والملكية والقدسية ، تتجاذبه النفوس وهو فيما بينها كالسفينة في بحر لُجِّيٍ إن غلبت عليه ثوْرة أمواج بشريته رمته هذه النفس في مكان سحيق ، وإن أسدلت عليه غشاوة ظلمة نفسه الإبليسية ضل وغوى ، وإن أشرقت عيه أنوار نفسه المَلَكية هُدِيَ إلى صراط مستقيم ، وإذا تجمل بجمالات العبودية نفخت فيه تلك الروح القدسية وأسجد له ملائكته لأنه صورة كاملة له سبحانه - ولا يخلو أي إنسان من ثلاثة نفوس : النفس الحيوانية ، والنفس الإبليسية ، والنفس الملكية . ولسنا في مقام بيان النفوس ولكنا التزمنا أن نلمع إليها ليذوق القارىء المعاني اللاحقة في هذه القصيدة فنقول : إن كل روح قدسية وملكية مؤهلة للمولى سبحانه وتعالى كما أشار إلى ذلك رضي الله عنه فيما سبق ، ولا يزول عنها ذلك الشوق والوله كما أشار بذلك رضي الله عنه بقوله :

 لا يزول الشوق عنها أبــــــــــــــدا    *    والمقرب في الحقيقة كالقصي

هذا البيت هو درة هذه القصيدة وجماع تنزلات الجمال والجلال إذ هذه التنزلات مستوية في عين العارف . وهنا لا بد لنا من أن نلمع إلى بيان تلك الحقيقة - وفقني الله وإخوتي المؤمنين إلى فهم ما يرمي إليه سيدنا ومولانا رضي الله عنه فنقول : إن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان على حب التمني والاستطلاع والشوق إلى شهود الغائب عنه ، هذه فطرة غريزية فينا ، وحكمة هذه الفطرة أن يتوصل بها إلى الوصول له سبحانه والقرب منه لا الإخلاد إلى الأدنى ، وكل روح قد شاهدت المولى سبحانه وتعالى في حضرة ألست ، فلما وجدت في هذا الكون المحسوس حنت إلى شهود جمالات الربوبية التي أشهدها سبحانه وتعالى يوم ألست . ولما كان الحس من أكثف الحجب وكان كل من يراه من هذه العوالم حجبا فوق حجب ، واقتضت المشيئة الإلهية أن يكدح الإنسان في طلبه سبحانه كما قال تعالى {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً} (الانشقاق : من الآية 6) فمن نفذ من أقطار هذه الحجب بنور إرشاد العارف وبهَدْي رسول الله ﷺفقد اهتدى ، ومن غلب عليه حظه وهواه ضل وغوى – والحقيقة التي ندين الله عليها هي أن الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم لا حول لأحد على هداية نفسه إلا بسابق إرادته سبحانه وتعالى ، كما أنه لا قدرة لأحد على أن يضل إلا بسابقة البعد - نعوذ بوجهه الكريم ونسأله أن يجعلنا ممن سبقت لهم العناية بالحسنى آمين .

نقول تصديقا لقول سيدنا ومولانا الإمام في البيت السابق أن كل هذه النفوس مشتاقة ومؤلهة لشهود جمالاته سبحانه وتعالى ، فإذا رأت أي حُسْنٍ ما تذكرت مشهدها يوم ألست فحنت إلى نيل ذلك الجمال - والحس هو معراجها ومطيتها ، فتفيض عليه قوة الرغبة والشوق فينجذب إلى نيل شهودها ولكن لا قوة له على ذلك إلا بمعاونتها ، فتدبر له النفس الملكية - وهي النفس الناطقة - الوسائل التي بها نيل مقصوده ومناه ، حتى إذا وصل إليه فإما : أن تلحظه يد العناية فيشهد الجمال العليَّ منزهاً في الصورة الحسية فيكون بذلك له معراجا ، وإما أن ينغمس في حظه وهواه فيكون له بذلك معراجا {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} (الأعراف : 182)، حتى إذا نال مقصوده زهد فيه ، وسر ذلك جلي لأن مقصود تلك النفوس أجَل من أن يُنال ، فإذا نالته زهدت فيه وعلمت بدسيسة الحس التي سولت لها الوقوع في معصية الله تعالى فتفر من هذا المشهد إلى مشهد آخر ..... ص 28 مفقودة ..... المجادلين في الحق {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف : 104) ، وهو موضوع واسع أردت أن ألمع إلى بعض ما سمعته من سيدنا رضوان الله عليه حتى تبين الحق والباطل - فأقول وبالله التوفيق :

إعلم أيها الأخ أن لله سبحانه وتعالى حكمة وأمرا – فهو سبحانه وتعالى قضى على فريق بالجنة وفريق بالسعير .. هذا بسابقة الحكمة الإلهية ، ووضح السبل وأنزل الأحكام على ألسنة رسله تبيانا لكل شيء ، فهو إنما سبحانه يحاسب يعاقب من شاء على مخالفة الأمر لا على مطابقة الحكمة أنه لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ، هذا من جهة الحكمة ، وهذا رذاذ من وابل ما سمعته ، أسأله سبحانه أن يمنح إخوتي المؤمنين أعين التسليم لأن التجرىءَ على المقام الإلهي في هذا الموضوع من أكبر الكبائر المهلكة ، فالله سبحانه خلق العباد وخلق جميع أعمالهم من خير وشر ، وهو سبحانه وتعالى يدخل من يشاء الجنة بفضله ويعذب من يشاء بعدله {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (الأنبياء : 23) . كل ما تقدم من معاني هذه القصيدة فهو بيان لدرر التوحيد الخالص ، والبيت السابق هو جماعها . ولما كان للعارف رضوان الله عليه وأطال لنا الله بقاه مشهد في كل معنى من معاني القرب أو البعد .. بيَّنَ ذلك رضوان الله عليه وقربنا به إليه بقوله :

 غير أن القرب معنىَ تظهرن    *    فيه أنوار المكـــــانة للوصي

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر : من الآية 28) . والقرب قربان : قرب قرابة ، وقرب اقتراب . فقرب القرابه هو النسب المتصل بينك وبين ربك من أضداد صفاته سبحانه وتعالى وتلك هي حلل العبودية الكاملة لا يذوق هذا المشهد إلا كمل العارفين ، وقرب اقتراب وهو ما يناله الواصل بعد المجاهدة النفسانية والكد والكدح من لوامع الأسرار وغوامض الأنوار ، وهذه الحالة إما أن تكون للورود أو الصدود ، فمن شهد لنفسه عملا أشرك ، ومن شهد الحول منه سبحانه فهو من الذين قال الله سبحانه وتعالى فيهم  {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت : من الآية 69) - وفي هذه الآية إشارة إلى كثرة السبل ، وكثرة السبل دليل على عدم كمال التوحيد بالنظر إلى ما جاء في الآية الشريفة الأخرى التي أنزلها الله على لسان حبيبه ومصطفاه {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف : 108) . والقرب الذي يشير إليه سيدنا هنا رضوان الله عليه هو قرب العبودية التي ينتج الخشية من الله سبحانه وتعالى والرغبة فيما عنده ، فهو بكمال عبوديته راغب فيه عنده سبحانه وبما مَنَّ عليه من جمال الربوبية، يخشى ربه فيكون بين راغب وراهب، تلك هي أسرار المكانة المحمدية ، والوصي هنا هو الوارث الذي سُئل عن مراد الله في خلقه فقال " ما هم عليه " وذلك لعلمه بعظمة الله وكبريائه وجلاله وعفوه وكرمه ووده وفضله ، ثم أشار إلى ما يؤول إليه حال المقرب والمبعد فقال رضوان الله عليه ونفعنا جميعا به آمين :

 فالمقرب في حظائر قدسه    *    والقصي بقوة القهر الدنــي

المقرب الذي شاهد مولاه في كل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء لا شك أنه في كل نفس من أنفاسه آنس بربه ، فهو بذلك في حظائر الأنس القدسي، والقصي مع إخلاده إلى لذته وهواه وتمتعه بمشاهد الأنس من ملاذ هذه الحياة الدنيا فهو في نظر أهل المعرفة في هوة من القهر الإلهي ـ أسأله سبحانه أن يجملنا بما هو أهله من الفضل العظيم ، ويوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه . وتلك الأسرار هي من غوامض العلوم ودقائقها إذ هي مشاهد المفردين من كمل الأولياء - ولذلك أشار إليها رضوان الله عليه بقوله :

 ذلك غيب غامض لا يظهرن    *    مـشـرقا إلا لفــــــــردٍ وولـــــــــي

لأنه لا يطلع على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول أو نبي أو ولي . كل ما سبق هو مشاهد المقربين في خلقه سبحانه وتعالى قد عجزت النفوس الزكية .. عن أن تدرك سر قدرته وغرائب حكمته ، فلذلك ألمع سيدنا ومولانا إلى الحيرة التي تعتري العارف عند شروق معاني الكمال :

 ذق { وما قدروا } بلا مزجٍ وطُفْ    *    حــــول كعبــــته تجد عَيْشاً هـــــني

الكعبة هنا هي المكانة الفردية التي اختصها الله لفرد ذاته سيدنا ومولانا محمد ﷺ، فالسيد يشير إلى أن ما بلغه لكمل الأولياء من معرفة الله سبحانه وتعالى فهو جهل به إذ لا يعرف الله إلا الله ، وإشارة الطوف هنا بالكعبة دليل على التمسك بما جاء به ﷺمن معاني التوحيد الغالية العالية التي بينها بقوله :

 وترى مولاك جــــل جــــلاله    *    واحداَ أحداً تنزه عن سمي

وهو نهاية ما بلغه الواصل من معاني التوحيد الأقدس التي بينها ﷺ، فالله سبحانه وتعالى واحد في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله ، أحد في كل تلك لا يشاركه أحد من خلقه - تنزه سبحانه وتعالى عن أن يكون له مثيل أو نظير أو  سمي أو ضد أو ند أو ولد ، منفرد بالإيجاد والإمداد ليس لأحدٍ قُدْرَةٌ على طاعته إلا بمعونته وتوفيقه ، كما لا قوة لأحد على معصيته إلا بسابق إرادته وتقديره . ثم أوقف رضي الله عنه المريد على مرتبة الأدب في اتباع ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه مما أنزله على حبيبه ومصطفاه من الهَدْيِ والبيان مشيرا إلى أنه لا يبلغ تلك الدرجات العلية التي وضحها رضوان الله عليه فيما سبق إلا بحسن الاقتداء والاتباع بهَدْيِ السنة السمحاء - فقال رضي الله عنه وجعله راضيا عنا آمين :

 وعلى نهج الحبــــــــيب المصطفى    *    فاسلكن ترقى إلى الحال الرضي

ثم دخل رضي الله عنه بالمريد حظائر المناجاة التي هي كمالات العبد أو إرث من تيقن أن مولاه يجيب من دعاه فعلمنا كيف نسأله وقصاري ما يتمناه العبد الكامل فقال مشيرا إلى ذلك رضوان الله عليه وأدام الله لنا بقاه آمين :

يا مجيب الضارع المضطر هب    *    للعُبــَــَيْدِ عنــــــــاية الرب القوي

والرضا والفضل والنور الذي    *    يشرح الصدر بإحسان الولي

وعلى سر الوجود محمد    *    صلوات الله مولانا العلي

تمنح السؤل بهــــا يا ربنا    *    وننال بها النعيم الأبدي

آمين يا رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

Read 134 times Last modified on 12 كانون2/يناير 2017
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com