الثلاثاء, 10 كانون2/يناير 2017 00:00

البـاب السابع أئمة الصوفية من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

Written by 
Rate this item
(1 Vote)

البـاب السابع

أئمة الصوفية من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

 

الآن فلأذكر طرفاً من أحوال أئمتهم من الصحابة الذين كانوا هداة لهم وكانوا فى العبادة قدوة ، وكانوا فى الأحوال قادة ومثالا هم بعد الأنبياء وهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم حتى يتأكد لك إثبات مرادك إن شاء الله تعالى . فمنهم شيخ الإسلام وسيد الانام بعد الأنبياء ، خليفة الرسول وإمام أهل التجريد وسيدهم وقائد أهل التفريد البعيد عن الآفات النفيسة أبو بكر عبد الله بن عثمان ، الصديق ، له كرامات مشهورة وآيات ودلائل ظاهرة فى المعاملات والحقائق وقد ذكر فى باب التصوف طرف من مجاهداته .

1-    الخليفة أبو بكر الصديق :

يضع مشايخ الصوفية أبا بكر الصديق على رأس أهل المشاهدة بسبب قلة ما روى عنه من أقوال وأعمال بينما يضعون عمر على رأس أهل المجاهدة بسبب تشدده فى العبادة ومثابرته عليها ]79[وقد جاء فى الأثر ومن المشهور أيضا بين اهل العلم أنه عندما كان أبو بكر يصلى فى الليل كان يتلو القرآن بصوت منخفض بينما كان عمر يتلوه بصوت عال . فسأل النبى أبا بكر : لم يفضل أن يفعل ذلك ؟ فأجاب أبو بكر : " أسمع من اناجى إذ أنى أعلم أنه ليس بغائب عنى ، ويستوى عنده الخفوت والجهر . اما عمر فقد أجاب بدوره أنى أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان " فبينما نجد أن أحدهما أظهر علامة المشاهدة نجد ان الآخر أظهر علامة المجاهدة .

والمجاهدة – إذا قورنت بالمشاهدة – أشبه بنقطة ماء فى بحر ولذلك فقد كان النبى عليه الصلاة والسلام يعتبر عمر – وهو فخر الإسلام – مجرد حسنة من حسنات أبى بكر ، حين قال له : " هل أنت إلا حسنة من حسنات أبى بكر ؟ فانظر إلى أحوال العالم .

ويذكر عن أبى بكر أنه قال : " دارنا فانية ، وأحوالنا عارية وأنفاسنا معدودة وكسلنا موجود " . فعمارة الدار الفانية من الجهل والاعتماد على العارية فى البله وشغل القلب بالأنفاس المعدودة من الغفلة والدين سمى الكسل كفراً ، فالعارية ترد والعابر لا يبقى ، وما يدخل فى الحصر ينفذ وليس للكسل دواء . وهو يعنى بهذا أن الدنيا من التفاهة بحيث يجب ألا تشغلنا إذ عندما تشغل نفسك بما هو فان تغفل عما هو باق .

ويولى أحباب الله ظهورهم للدنيا وملاذها التى تحجبهم عنه تعالى فهم لا يريدون أن يتصرفوا كما لو كانوا يملكون شيئاً هو فى الحقيقة ملك غيرهم .

وقد قال أبو بكر فى مناجاته ]80[: اللهم ابسط لى الدنيا وزهدنى فيها ولهذا القول معنى خفى ، وهو : امنحنى أولا متاع الدنيا حتى أشكرك عليه ثم ساعدنى على الزهد فيه من أجلك حتى أنال هذه المزايا الثلاث : الشكر ، والكرم ، والزهد ، وحتى يصبح فقرى اختياراً لا إجباراً .

إن هذه الكلمات تدحض حجة من قال : أن من جاء فقره عن قسر أكثر كمالا ممن جاء فقره عن اختيار . فكمن جاء فقره عن قسر فهو صنيعة الفقر ومن جاء فقره عن اختيار أصبح الفقر صنيعة له .وخير للشخص أن تكون أفعاله حرة من اى محاولة يريد بها أن يحصل على الفقر ، إذ ان ذلك أفضل من أن يحاول أن يصل إلى الفقر بمحض إرادته .

وأقول رداً على ذلك : أن صنيعة الفقر هو بدون شك ذلك الشخص الذى تتملكه الرغبة فى الفقر ، رغم تمتعه بالاستقلال عنه ولذلك فهو يحاول جاهداً أن يصل إليه ، وليس هو ذلك الشخص الذى يكون فى مقام الفقر ثم تتملكه رغبة فى الاستقلال تجعله يذهب إلى منازل العصاة وقصور الحكام بغية جمع المال .

أن صنيعة الفقر هو ذلك الشخص الذى ينزل من الاستغناء إلى الفقر ، وليس هو ذلك الفقير الذى يحاول أن يحظى بالقوة وهو فقير . لقد كان أبو بكر أفضل البشر بعد الأنبياء ، وليس بمسموح أن يسبق أحد ذلك ، لأنه وضع الفقر الاختيارى فوق الفقر الإجبارى ويؤمن كافة شيوخ التصوف بهذا المبدأ باستثناء ذلك الشيخ الذى أشرنا إليه وقد أوردنا مقالته ورددنا عليها بما يؤكده الصديق الأكبر .

روى الزهرى أنه عندما تلقى أبو بكر البيعة بالخلافة صعد إلى المنبر وألقى خطبة جاء فيها : " والله ما كنت حريصا ]81[على الإمارة يوما ولا ليلة قط ، ولا كنت فيها راغباً ولا سألتها الله قط فى سر ولا علانية وما لى فى الإمارة من راحة " أن الله إذ يجعل الفرد من أكمل المخلصين ويرفعه إلى مقام التمكين يجعله يأتمر بأمر الله ، ويلتمس منه التوجيه ولهذا يرضى بما بأمره الله وما قسمه له ، سواء جعل منه سائلا أو أميراً دون أن يجعل لإرادته مكاناً أمام إرادة الله خالقه وهكذا أسلم أبو بكر الصديق نفسه لإدارة الله بدءا وخاتمة ، ولهذا فإن طائفة الصوفية قد جعلته نموذجا تحتذيه فى التجرد من أمور الدنيا ، وفى تمكينه وفى رغبته القوية فى الفقر وعزوفه عن السلطة.

إنه إمام المسلمين عامة وإمام الصوفية خاصة .

2-    الخليفة عمر بن الخطاب :

ومنهم قائد أهل الإيمان خير أهل الإحسان إمام أهل التحقيق ومن هو فى بحر المحبة غريق ، أبو حفص عمر بن الخطاب رضى الله عنه صاحب الكرامات المشهورة والفراسات المذكورة وهو المخصوص بالفراسة والصلابة وله لطائف فى هذه الطريقة ، وحقائق فى هذا المعنى . وقد قال النبى عليه الصلاة والسلام : ( إن الحق ينطق على لسان عمر ) كما قال : ( كان هناك فى الأمم محدثون فان يك فى أمتى فعمر (1) ) وله فى هذه الطريقة رموز دقيقة لا يمكن إحصاؤها برمتها هنا .

قال عمر : " العزلة راحة من خلطاء السوء " ، والعزلة نوعان : أولهما الابتعاد عن الخلق ، وثانيهما قطع كل صلة بهم ]82[. والابتعاد عن الخلق عزلة اختياريه وهى عبارة عن تركم صحبتنهم فى الظاهر والتدبر الهادئ فى أعمالك ومحاولة الابتعاد عن الخلق ، وجعلهم فى مأمن من شرك أو قطع كل صلة بالخلق ، فهو مقام روحى لا علاقة له بالظاهر ، وعندما ينقطع الإنسان عن الخلق روحيا لا يعرف عن المخلوقات شيئاً ،ـ ولا يمتلك تفكيره شئ ، ان مثل هذا الشخص يصبح فى عزلة عن الناس رغم بقائه بينهم ، إذ ان روحه فى مكان بعيد عنهم وهذه مرتبة عالية . وقد سلك عمر الطريق الصحيح فى هذا المجال فقد كان يعيش فى الظاهر بين الناس كقائدهم وخليفتهم وهذا دليل واضح على ان اهل الحقيقة فهم وإن اندمجوا فى ظاهرهم مع الخلق إلا أن قلوبهم متعلقة دوما بالله وترجع إليه فى كل آن ، وهم ينظرون إلى كل اتصال لهم بالناس نظرة المحنة التى يمتحن الله بها عبده . ولكن هذا الاتصال لا يحول وجوههم عن الله تعالى ، إذ ان الدنيا لا تصفو فى نظر من يحبهم الله قال عمر " دار أسست على البلوى بلا بلوى محال " ويتخذه الصوفية نموذجاً لهم فى لبس المرقع وفى أداء فروض الدين فى قوة وحزم . وعمر رضى الله عنه من خواص أهل الرسول وأصحابه ، وكان مقبولا لدى الحق فى كل أفعاله إلى حد أن جبريل عليه السلام نزل فى بداية عهد الإسلام ، وقال للرسول : " قد استبشر أهل السماء اليوم بإسلام عمر ".   

واقتداء أهل الطائفة به فى لبس المرقع وصلابة الدين إلى جوار أنه فى كل ما يتصل بالأمر إمام للخلق .

 

 

3-    الخليفة عثمان بن عفان :

ومنهم جوهرة كنز الحياء وعبد ]83[أهل الصفاء والمتعلق بحظيرة الرضاء والمتولى والمتمكن على طريق المصطفى عثمان بن عفان ذو الفضائل الظاهرة والمناقب البينة فى كل المعانى .

قال عبد الله بن رباح وأبو قتادة : " كنا مع أمير المؤمنين عثمان يوم هوجم بيته وعندما رأى عبيده جموع المهاجمين امتشقوا السلاح فقال عثمان : " من لم يمتشق سلاحه فهو حر " فتركنا البيت خوفا على حياتنا فقابلنا الحسن بن على فى الطريق ورجعنا معه إلى عثمان حتى نعرف لماذا يذهب الحسن إلى عثمان ,. وبعد أن حيا عثمان وواساه قال له : " يا أمير المؤمنين لا أجرؤ أن أحمل السلاح على مسلم إلا بأمر منك . فأنت الإمام حقا اعطنى الأمر أدافع عنك " فأجابه عثمان : يا ابن اخى ! ، ارجع واجلس فى بيتك حتى يأتى الله بأمره فلا حاجة لنا فى إهراق الدماء "

إن هذه لاالكلمات تعبر عن التسليم فى وقت الشدة ، وتظهر أن المتحدث بها قد وصل إلى مقام الخلة ، وهو أشبه بالخليل إبراهيم عندما أشعل نمروذ ناراً ووضع إبراهيم فى كفه ليلقى به فى النار فجاء جبريل إلى إبراهيم وسأله :" هل لك من حاجة " فأجاب إبراهيم : " أما إليك فلا " فقال جبريل : " إذن فسل الله " فأجاب : " حسبى من سؤالى عليمه بحالى " أى أنه يعلم بحالى أفضل مما أعلمه أنا ، ويعلم الصلاح لى . أن عثمان فى تلك اللحظة كان أشبه بالخليل إبراهيم قبل أن يلقى فى النار وكان المتآمرون أمام بيت عثمان أشبه بالنار ، وكان الحسن ]84[فى مكان جبريل . ولكن إبراهيم نجا ، أما عثمان فقد قتل . أن النجاة مرتبطة بالبقاء والموت بالفناء . وقد تحدثنا فى هذا الموضوع من قبل .

ويتشبه الصوفية بعثمان فى تضحيته بالحياة والمال والتسليم فى شئونهم لله وفى المحبة الخالصة ، وهو – على الحقيقة – إمام الحق ، وشريعته وطريقته ظاهرتان فى المحبة.

4-    الخليفة على بن أبى طالب :

ومنهم ابن عم المصطفى وغريق بحر البلاء وحريق نار الولا ومقتدى الأولياء والأصفياء أبو الحسن على بن أبى طالب كرم الله وجهه .

ان شهرته ومقامه فى طريق الصوفية فى غاية العلو فقد شرح أصول الحقيقة الألهية بدقة بالغة حتى أن الجنيد قال : " علىّ شيخنا فى الأصول والبلاء " أى أنه شيخنا  فى الصوفية نظريا وعمليا ، إذ أن الصوفية يطلقون على المبادئ النظرية لهذا الطريق : أصولا ويكون تطبيقها فى احتمال الآلام .

يحكى ان شخصا طلب من على أن يوصيه فقال له على : " لا تجعلن أكبر شغلك بأهلك وولدك ، فإن يكن أهلك وولدك من أولياء الله فإن الله لا يضيع أولياءه ، وإن كانوا أعداء الله فما همك وشغلك بأعداء الله ؟! "  

وهذا مرتبط بموضوع انقطاع القلب عن كل ما عدا ]85[لله ، الذى يسير عبيده كيف يشاء .

لهذا فإن موسى ترك ابنة شعيب وهى فى محنة شديدة وترك أمره إلى الله وأخذ إبراهيم وهاجر وإسماعيل إلى واد غير ذى زرع وترك أمرهما لله .

إن هذين النبيين تعلق قلباهما بالله ولم يجعلا الزوجة والولد جل همهما ، وربطا القلب – حتى حاز الدارين – بالاستغناء عن المراد وتسليم الأمر لله تعالى

سئل على عن خير ما يقتنيه المرء فقال : " غناء القلب بالله . إن مثل هذا القلب لا يحزن إذا ذهب عنه عرض الدنيا ولا يفرح إذا جاءه ويدور هذا الموضوع حول نظرية " الفقر والصفاء " التى سبقت مناقشتها(1)

ويعتبر الإمام على نموذجاً يحتذيه الصوفية فى تعبيره الظاهر ودقة معانيه الباطنة والتجرد عن كل متاع لهذه الدنيا وللأخرى وخشية الله . ولطائف كلامه أكثر مما تدخل تحت حصر وأسلوبى فى هذا الكتاب هو الاختصار .

 

 

    

 

 

 

 

 

 

 

 


 (1) الحديث الشريف : أخرجه أحمد فى مسنده والبخارى عن أبى هريرة . جامع شرح 2/167.

 (1) انظر الفصل الأول

Read 255 times Last modified on 12 كانون2/يناير 2017
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com