الأحد, 04 آب/أغسطس 2013 21:12

البـاب الخامس اختلافهم فى الفقر والصفاء

Written by 
Rate this item
(0 votes)

البـاب الخامس

اختلافهم فى الفقر والصفاء

 

يختلف الباحثون من أهل الطريق فى تفضيل الفقر على الصفاء فيرى البعض أن الفقر أكمل من الصفاء ، ويقولون أن الفقر هو الفناء الكامل وانقطاع الأسرار ، أما الصفاء فهو مقام من مقامات الفقر . وعندما يتم الوصول إلى الفناء الكامل تتلاشى المقامات وهذا هو نفس الشيء بالنسبة للفقر والغنى وقد سبق أن فصلنا القول فيه .

أما من يضعون الصفاء فوق الفقر والذين يقولون أن الفقر شئ موجود يمكن تسميته أما الصفاء فهو التخلى عن كل الموجودات وعليه فإن الصفاء هو عين الفناء ، أما الفقر فهو روح الفناء ولهذا فإن الفقر أحد أسماء المقامات أما الصفاء فهو أحد أسماء الكمال .

وقد نوقش هذا الموضوع باستفاضة فى عصرنا هذا ولجأ كل فريق إلى حجج لفظية دقيقة بعيدة الغور ، ولكن الفريقين يتفقان على أن الفقر والصفاء ليسا إلا مجرد أسمين .

ان المتنازعين قد بنوا نزاعهم على ألفاظ ونسوا أن يدركوا المعانى وبذلك تركوا مناقشة الحقيقة فهو يعتبرون أن نفى العرض نفى للجوهر وإثبات الرغبة إثبات للحقيقة . والطريق براء من مثل هذه الأوهام ، وباختصار : فإن أولياء الله يصلون إلى منزلة يختفى فيها المكان وتتلاشى عندها المقامات وتنكشف المظاهر عن الحقائق بحيث لا يبقى شرب ولا ذوق ولا قمع ]66[ولا صحو ولا محو .

اما هؤلاء المتجادلون فهم يبحثون عن اسم مفتعل يسترون به من الأفكار ما لا يسمى أو يوصف ويحاول كل منهم أن يطلق عليها من الأسماء ما يستحسنه . وعندما نتعامل مع الأفكار نفسها لا نجد حاجة إلى تفضيل ، ولكن عندما نطلق عليها الأسماء يصبح من الممكن تفضيل اسم على اسم .

ولذلك فإن بعض الناس يرون أن اسم الفقر أعلى وأسمى لأنه مرتبط بالترك والخضوع ، بينما يفضل غيرهم الصفاء ، ويعتبرونه أكرم بالمرء إذ أنه قريب من نبذ كل الكدورات والفناء عن كل ماله صلة بالدنيا . وقد ابتكروا هذين الاسمين ليعبروا بهما عن فكرة غير ملموسة حتى يتحادثوا فى هذا الموضوع ويشرحوا وجهة نظرهم شرحاً وافياً ، أما الصوفيون فلا يختلفون فى الرأى فيستخدم البعض كلمة الفقر ليعبروا عن نفس الفكرة التى يعبر عنها الآخرون باستخدام كلمة الصفاء .

وأما أهل العبارة وأرباب اللسان الذين يجهلون الحقائق فإن الموضوع كله بالنسبة لهم مجرد ألفاظ وباختصار فإنه من اهتم بالحقيقة وتعلق بها قلبه لا يهمه أن سموه فقيراً او صوفياً فليس هذان الإسمان إلا تعبيرين مصطنعين عن فكرة لا يمكن أن تحدد باسم من الأسماء .

وترجع هذه المناقشة إلى أيام أبى الحسن بن سمعون(1) فعندما كان فى حالة الكشف الشبيهة بالبقاء كان يضع الفقر فوق الصفاء . وعندما كان أرباب ]67[المعانى يسألون: لم فعل هذا . كان يجيبهم قائلا : إنى لست أقل إهتماماً بالفناء والخضوع منى بالبقاء والوجد لذا فإنى أفضل الصفاء على الفقر عندما أكون فى مقام قريب من الفناء ، وأفضل الفقر على الصفاء عندما أكون فى مقام قريب من البقاء لأن الفقر اسم البقاء والصفاء اسم الفناء ففى الحالة الأخيرة أفنى عن الشعور بالبقاء ، وفى الحالة الأولى أفنى عن الشعور بالفناء ، بحيث تموت طبيعتى عن كل من الفناء والبقاء . فإذا نظرنا إلى هذا القول على أنه عبارة وجدناه ممتازاً ، ولكن لا يمكن إفناء الفناء أو البقاء . إذ أن كل ما يقبل الفناء يفنى بنفسه وكل ما يقبل البقاء يبقى بنفسه .

والفناء كلمة لا تقبل المغالاة ، فإذا قال شخص : إن الفناء قد فنى فإنه يعبر بصورة فيها مغالاة عن عدم وجود أثر لفكرة الفناء ، ولكن ما دام هناك أثر للبقاء انتفى وجود الفناء وإذا تم الوصول إلى الفناء فإن عبارة " افناء الفناء " ليست إلا مجرد ادعاء يتم التعبير عنه بألفاظ لا معنى لها وهذه ترهات أرباب اللسان عند حب العبارات .

وقد قمت فى فترة غرور الشباب بكتابة مؤلف فى هذا الموضوع عنوانه " كتاب الفناء والبقاء "ولكنى سأقوم بعرض الموضوع كله فى هذا الكتاب بكثير من الحذر إن شاء الله

هذا هو الفرق بين الصفاء والفقر بمعناهما الروحى . ويختلف هذا إذا نظرنا إليهما من الناحية العملية أى عند التجريد وخروج الإنسان عن كل ما يملك فهنا تصبح النقطة الحقيقية هى الفرق بين الفقر والمسكنة . 

ويؤكد بعض المشايخ أن الفقير أعلى قدراً من المسكين ، لان الله تعالى قال ( لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فىِ سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِى الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِياَءَ مِنْ التَّعَففِ(2) ) فالمسكين لديه مما يقيته ]68[ما يتجرد عنه الفقير ، ولهذا فإن الفقير مفخرة والمسكنة إذلال ، إذ أن أهل الطريق يرون ان من يمتلك وسائل العيش ذليل ويستشهدون بقول النبى عليه الصلاة والسلام (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار ، تعس عبد الخميصة والقطيفة(1) ) ومن يتجرد من وسائل العيش ينال من الشرف ما يناله المتوكل على الله . أما من لديه هذه الوسائل فإنه يعتمد عليها . ويرى آخرون أن المسكين أفضل لأن النبى قال ( اللهم أحينى مسكيناً وأمتنى مسكيناً وأحشرنى فى زمرة المساكين ) وعندما تحدث عن الفقر قال : ( كاد الفقر أن يكون كفراً ) وعلى هذا الأساس فإن الفقراء يعتمدون على وسيلة للعيش أما المساكين فهم مستعفون عنها . ويرى البعض من أرباب الشريعة المطهرة أن الفقراء أصحاب بلغة وان المساكين مجردون منها . ويرى آخرون عكس ذلك وعليه فإن أهل المقامات الذين يؤمنون بالرأى الأول يلقبون المسكين بالصوفى . وهذا الخلاف متصل بإتصال الفقهاء فمن يعتبر منهم الفقير مجرداً والمسكين صاحب بلغة يفضل الفقر على الصفوة ، أما من يرى عكس ذلك فيرى أن الصفوة تفضل الفقر .    

 

 


 (1) ورد فى صحيح البخارى  2 / 158 – وفى الفائق فى غريب الحديث للزمخشرى 1 / 132 .

Read 195 times Last modified on 04 آب/أغسطس 2013
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com