الأحد, 04 آب/أغسطس 2013 21:10

البـاب الرابع فى ارتداء المرقعات

Written by 
Rate this item
(0 votes)

البـاب الرابع

 فى ارتداء المرقعات

 

اعلم أن ارتداء المرقعات هو شعار الصوفية ، إذ ان ارتداء مثل هذه الملابس سنة فقد قال النبى عليه الصلاة والسلام : ( عليكم بلبس الصوف تجدون حلاوة الإيمان فى قلوبكم )(1) وقال أحد الصحابة: " كان النبى صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف ويركب الحمار (2) " .

وقال النبى لعائشة : " لا تضيعى الثوب حتى ترقعيه(3) " .

]50[ويقال : أن عمر بن الخطاب كان يلبس ثوباً مرقعاً به ثلاثون رقعة وروى عن عمر أنه قال : خير الأثواب ما قلبت مئونته . ويروى عن أمير المؤمنين على انه كان لديه ثوب أكمامه حتى أصابعه وانه إذ لبس رداء أطول كان يقص أطراف أكمامه .

وقد أمر النبى كذلك ان يقصر ثيابه فقد قال تعالى : (وَثِياَبَكَ فَطَهَّرْ (4)) أى قصرها . ويقول الحسن البصرى " لقد رأيت سبعين صحابيا من أهل بدر وكانوا جميعاً يرتدون الصوف . وكان الصديق يرتدى الصوف فى تجرديه ويقول الحسن البصرى أيضاً : رأيت سلمان الفارسى يلبس رداء مرقعاً من الصوف " . 

وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، وأمير المؤمنين على بن أبى طالب وهرم ابن حيان أنهم رأوا أويسا القرنى يلبس لباسا من الصوف مرقعا . كما ان الحسن البصرى ومالك بن دينار وسفيان الثورى كانوا يلبسون المرقعات وروى عن الإمام الأعظم أبى حنيفة النعمان – وجاء ذلك فى تاريخ طبقات المشايخ لمحمد بن على الحكيم الترمذى – أنه كان يرتدى أول الأمر ملابس من الصوف وأوشك أن يعتزل العالم فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى منامه يقول له : " يجدر بك أن تحيا وسط الناس فبك ستحيا سنتى " وعندئذ رجع عن العزلة ولكنه لم يلبس قط ملبسا ذا قيمة . وكان داود الطائى ]51[من المتصوفين الحقيقيين وكان يدعو إلى لبس الصوف . وذهب إبراهيم بن أدهم إلى الإمام الجليل أبى حنيفة لابساً رداء من الصوف فنظر إلى تلاميذ الإمام نظرة المحتقر المستنكر إلى أن قال أبو حنيفة : لقد جاء سيدنا إبراهيم أبن أدهم فقال اتباع الإمام : أن الإمام لا يقول هزلا فكيف نال هذه السيادة فأجاب أبو حنيفة : بمواصلة العبادة فقد اشتغل بالله واشتغلنا بأنفسنا فأصبح سيدنا .

وقد يحدث فى عصرنا هذا أن يرتدى بعض الناس ثيابا مرقعة من أجل الشهرة والصيت، وعلى الرغم من أن قلوبهم تكذب مظهرهم فليس هناك للجيش إلا قائد واحد . والصادقون فى كل فئة قليلون ومع ذلك فإن الناس يعتبرون الصوفى كل من تشبه بالصوفية ، حتى وإن كان ذلك فى صفة واحدة من صفاتهم ويقولون أن النبى صلى الله عليه وسلم قد قال : ( من تشبه بقوم فهو منهم (1) ) وإذا كان بعض الناس لا يهتمون إلا بظاهر أعمالهم فإن الآخرين يوجهون كل اهتمامهم إلى الصفاء الباطنى .

ولا يخرج من يريدون الارتباط بالمتصوفين عن أربعة أصناف :

1-    من أعانه صفاؤه واستنارته ودقة إدراكه واتزن طبعه وحسن أخلاقه على أن يتبصر بما فى قلوب المتصوفين بحيث يدرك مدى اقتراب رجالهم من الله ومدى ارتقاء الطاهرين منهم فيتصل بهم بغية الارتقاء إلى نفس المكانة ، وأول مظهر من مظاهر سلوكهم كشف الأحوال وتطهير أنفسهم من الرغبة وترك اللذات .

2-    من أعانته صحة بدنه وطهارة قلبه وصفاء ذهنه على رؤية أعمالهم الظاهرية فيركز اهتمامه على ما يقولون به : من اتباع للشريعة المقدسة وحفظ آداب الإسلام ومختلف المعاملات وحسن سلوكهم . ولهذا يحاول الاتصال بهم وينهمك قلبا وقالبا فى مزاولة أعمالهم . ]49[وأول مظهر من مظاهر سلوكه هو المجاهدة والخلق الحسن . 

3-    من تمكنه إنسانيته وعاداته وحسن طبعه من أن يفكر فى أعمالهم ويرى فضائل حياتهم وكيف يعاملون كبارهم باحترام وصغارهم بكرم ورفاقهم بمحبة وكيف لا يهمهم الكسب الدنيوى وكيف يعتنقون بما أعطاهم الله ، فينشد صحبتهم ويسهل على نفسه الطريق الدنيوى الوعر ويصبح فى فراغه من الأخبار .

4-    من يقوده غباؤه وضعف نفسه وحبه للسلطة على غير حق ، والجاه على غير علم أن يظن أن الأفعال الظاهرية للصوفية هى كل شئ ، وعندما يدخل فى صحبتهم يعاملونه بعطف وتسامح رغم اقتناعهم بأنه جاهل كل الجهل بالله وأنه لم يحاول قط أن يسير فى طريق المجاهدة ولهذا يحترمه الناس احترامهم للصوفى الحقيقى ، ولاحد أولياء الله ولكن مقصده هو أن يلبس لباسهم ويخفى نقائصه تحت رداء من التقوى ، فهو مثل ( الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفاَراَ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ(1) ) وأغلبهم فى وقتنا هذا من المدعين الذين وصفناهم . ولهذا فخليق بك ألا تظهر إلا بحقيقتك فلو أنك قلت بقبول الطريقة ألف عام لم تحب منها إلا إذا قبلتك ، إذ أن الحرقة هى التى تصنع الطريقة ألف عام لم تحسب منها إلا إذا قبلتك إذ أن الحرقة حتى التى تصنع الصوفى ]53[لا الخرقة . 

وحينما يألف المرء الطريقة لا يفرق بين العباءة يرتديها الدرويش والجبة يرتديها الشخص العادى وحينما يكون الشخص غريبا عن الطريقة تكون مرقعته رقعة الأدبار ومنشور شقائه يوم النشور . وقد سئل أحد كبار المشايخ (2) لماذا لا يرتدى المرقعة فقال : " من النفاق أن تلبس لباس الفتيان ولا تدخل فى حمل أثقال الفتوة " فإذا كنت بإرتدائك لهذا الرداء تريد أن ترى الله أنك أحد المصطفين فإن الله يعلم حقيقتك دون لباس وإذا كنت تريد أن ترى الناس أنك من أهل الله فإن كنت صادقاً أصبحت مرائيا ، وإن كنت كاذباً أصبحت منافقاً . 

عن الصوفية من العظمة بحيث لا يحتاجون إلى رداء من هذا النوع فإن الصفاء من الله انعام وإكرام ، والصوف لباس الأغنام . إذن فالمحاكاة حيلة وفريق يتقربون بالحيلة وكل ما يجعلونه لأنفسهم إنما يزينون به الظاهر أملا فى أن يجعلوا أنفسهم مثلهم . لقد أمر الشيوخ المريدين أن يلبسوا الملابس المرقعة ولبسوها بأنفسهم كى يعرفهم الناس ويراقبوهم فإذا أخطأ أحدهم لامه كل الناس ، وإذا أرادوا المعصية وهم يرتدون هذا الرداء منعهم عنها الخجل وفى الجملة : المرقعة زينة أولياء الله عز وجل هى عز للعامة وذل للخاصة ، فهى عز لأن العامى حيث يرتديها يحترمه الخلق بها ، وهى ذل الخاص لأنه حين يلبسها يساوى الناس بينه وبين الخاص ويلومونه عليها ]54[إذن فهى لباس النعم للعوام وجوشن البلاء للخواص ويلجأ إليها كثير من العوام حينما لا يصلون بأمر آخر ولا يكون لهم فى طلب الجاه وسيلة أخرى يطلبون بها الرياسة فيجعلون منها سببا لجمع النعمة ، وأيضاً فالخواص قالوا بترك الرياسة واختاروا الذل على العز حتى صارت لهؤلاء القوم بلاء ولأولئك نعمى فالمرقعة قميص الوفاء لأهل الصفاء ، وسربال السرورلأهل الغرور ، فأهل الصفاء بلبسها يتجردون من الكونين ، وينقطعون عن المألوفات أما أهل الغرور فيحتجبون بها عن الحق ويعجزون بها عن الصلاح . وفى الجملة هى للجميع سمت الصلاح وسبب الفلاح ، والجميع يحصلون على رغبتهم فيها فهى لواحد صفاء وللآخر غطاء وللرابع وطاء ، وآمل أن تنجو بحسن صحبة بعضكم بعضاً ومحبة أحدكم للآخر ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحب قوماً فهو معهم (1)) فيوم القيامة يبعث الأخلاء معاً ، ويكون كل فى زمرته ولكن يجب أن يطلب باطنك التحقيق وأن يعرض عن الرسوم ، فكل من يقنع بظاهر الأمور لا يصل أبداً إلى لبها ، واعلم أن وجود البشرية حجاب الربوبية ولا يغنى الحجاب إلا فى الأحوال وفى داخل المقامات والصفاء اسمه الفناء ، ومحال أن يكون لفانى الصفة مجال لاختيار الثياب أو أن يتخذ زينة ما تكلفنا ]55[فحينما يبدو فناء الصفة وتنتفى آفة الطبيعة يتساوى أن يسمى أو يسمى بالصوفى .

فصل : 

يجب أن تراعى البساطة والخفة فى صنع المرقعات وعندما يبلى الثوب الأصلى يجب أن توضع عليه رقعة . وللمشايخ رأيان فى هذا الموضوع ، فيقول البعض أنه ليس من الضرورى وضع الرقعة بعناية ودقة ، وانه من الواجب خياطتها حيثما اتفق دون كبير عناء واهتمام ، ويقول الآخرون أنه من الواجب أن تكون الخياطة مستقيمة منتظمة ، وأن على الدرويش أن يتعلم كيف يحيكها بانتظام ، وان يهتم بتدريب نفسه على ذلك ، فهذه هى عبادة الفقر وصحة العبادة دليل على صحة الأصل . وقد سألت – أنا على بن عثمان الجلابى – الشيخ الكبير أبا القاسم الجرجانى (2) فى طوس قائلا : " ما أدنى ما على الدرويش أن يصنعه حتى يكون خليقاً بالفقر ؟ فأجاب : عليه أن يكون لديه ما لا يقل عن أشياء ثلاثة : أولها أن يحسن خياطة رقعته ، وثانيها أن يحسن الإصغاء ، وثالثهما أن يحسن وضع قدمه على الأرض . وكان عدد من الدراويش حضروا معى عندما قال هذا ، وما أن غادرنا المكان وعدنا إلى دويرة حتى بدأ كل منال تطبيق هذا القول على نفسه ، واقبل بعض الجلاء يفسرونه حسب أهوائهم ، وقال البعض " هذا هو الفقر حقيقة " وأسرعوا يصنعون الرقع بعناية ، ويطأون الأرض بصورة صحيحة ، وتخيل كل منهم أنه يعرف كيف يحسن الإنصات لما يقال فى التصوف وبما أن قلبى كان متعلقاً بالسيد ولم أرد أن يذهب كلامه هدراً ، قلت : فليقل كل قوله فى هذا الموضوع ، فبدأ كل واحد يشرح وجهة نظره ]56[وعندما جاء دورى قلت : " الرقعة الصحيحة هى تلك التى تحاك من اجل الفقر لا من اجل التظاهر ، فإذا حيكت من أجل الفقر كانت صحيحة حتى وإن كانت حياكتها خاطئة ، والكلمة الصحيحة هى تلك التى تسمع بحال أمينة والتى يتم تطبيقها بجد لا بهزل ، والتى يعيها القلب لا العقل ، والخطوة الصحيحة هى تلك التى توضع على الأرض بنشوى حقيقية لا بصورة هازلة أو متكلفة .  

وقد وصلت ملاحظاتى على السيد ابى القاسم الجرجانى الذى قال : " لقد احسن على أثابه الله " . وهدف هذه الجماعة من لبس المرقعات أن يخففوا عبء هذه الدنيا ويخلصوا من فقرهم إلى الله . ويروى من الأخبار الصحيحة أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يلبس المرقع عندما رفع إلى السماء وقال أحد المشايخ : لقد رأيته فى منامى لابساً حلة مرقعة من الصوف والنور يشرق من كل رقعة فقلت : أيها السيد المسيح ما هذا النور الذى يخرج من ردائك . فأجاب بل نور الرحمة ، فقد وضعت كل رقعة من هذه الرقع بسبب حاجتى وعوزى ، وقد حول الله تعالى كل آلامي إلى أنوار . وقد رأيت فى ما وراء النهر رجلا طاعناً فى السن ينتمى إلى طائفة الملامتيى ولم يكن يأكل أو يلبس شيئاً صنعته يد الإنسان ، وكان طعامه مما يلقيه الآخرون مثل الخضراوات الفاسدة واللبن الفاسد والجزر المتعفن وما شابه ذلك وكانت ملابسه من الخرق التى ألتقطها من الطريق وغسلها وصنع منها رداءا مرقعاً . وسمعت أن من بين المتصوفة الحديثيين بمرو الروذ رجلا كبير السن من ذوى الحال والأخلاق الطيبة وكان يحيك الرقع دون عناية على سجادة صلاته ولباس رأسه ، حتى أن العقارب كانت تربى صغارها فيها . وسمعت كذلك أن شيخى رضى الله عنه ارتدى جبة واحدة مدة إحدى وخمسين سنة وكان يضغ عليها الرقع دون كبير إهتمام .

وقد قرأت هذه القصة بين قصص رجال الله فى العراق : كان هناك درويشان ]57[أحدهما صاحب مشاهدة ، والآخر صاحب مجاهدة وكان أولهما لا يرتدى إلا الملابس التى يصنعها من الخرق ، والتى يقطعها الدراويش من ملابسهم فى حال السماع ، أما ثانيهما فكان يستخدم للغرض نفسه القطع التى يمزقها الدراويش أثناء توبتهم ، وهكذا كان رداء كل منهما متفقاً مع اتجاهه الباطنى منسجماً مع حاله .

وكان الشيخ محمد بن عبد الله بن خفيف يرتدى ملبساً خشناً من الصوف ، مدة عشرين سنة وفى كل سنة كان يصوم أربع فترات ، كل فترة منها أربعين يوماً ، وبعد كل أربعين يوماً كان يكتب مؤلفاً عن أسرار علوم الحقائق الألهية وكان يعيش فى زمنه أحد المتفقهين المنتمين إلى الطريقة والحقيقة يعيش بالقرب من فارس فى زمنه أحد المتفقهين المنتمين إلى الطريقة والحقيقة يعيش بالقرب من فارس ، وكان يدعى محمد ابن زكريا ولم يلبس قط مرقعة ، وسئل الشيخ محمد بن خفيف : ماذا يلزم بلبس المرقعة ؟ ومن الذى يسمح له بذلك ؟ فأجاب : " يقتضى ذلك ما يقوم بها ابن زكريا فى ردائه الأبيض ويسمح له بلبس مثل هذا الرداء " .

فصل :

ليس من عادة الصوفية أن يغيروا عاداتهم . وهناك سببان يجعلان ارتداء رجال التصوف للملابس المصنوعة من الصوف فى الوقت الحاضر شيئا نادراً .

1-    أن الأصواف قد شحت والحيوانات التى يؤخذ منها الصوف يدفعها المغيرون من مكان لآخر .

2-    أن طائفة من المبتدعة تلبس الصوف كشعار لها ومن المستحسن أن تبتعد عن شعار المبتدعة حتى وإن كان فى ذلك ابتعاد عن سنة مستحبة .

ومن المسموح به للصوفية الاهتمام والتكلف فى صنع المرقعات ذلك لأنهم قد احتلوا مكانة مرموقة بين الناس ، وبما أن الكثيرين يقلدونهم فى لبس المرقعات رغم ارتكاب هؤلاء ]58[المعاصى ، وبما أن الصوفى لا يأنس إلا لصحبة الصوفى ، لهذا فقد ابتكروا لباسا لا يمكن أن يصنعه غيرهم وجعلوا من وسيلة يعرف به أحدهم الآخر واتخذوه شعارا لهم حتى أنه إذا جاء درويش لابسا رداء مرقعا حيكت رقعه بغرز أكبر يجب طرده من حضرتهم .

وحجتهم أن الصفاء قائم على رقة الطبع ودقته ، وليس من شك أن الانحراف فى الطبع غير حميد ، إذ انه من الطبيعى ألا توافق على الأعمال غير الصحيحة وكما انه من الطبيعى ألا تشعر بالنشوة والسرور عند سماعك للشعر الرديء فإن الأفعال السيئة لا يستحسنها الطبع .

وهناك آخرون لا يهتمون بالملبس على الإطلاق يرتدون عباءة أو جبة عادية كما منحهم الله ، وإذا أراد تعالى أن يجعلهم عرايا ظلوا كما أراد ، وإنى أنا على بن عثمان الجلابى أوافق على هذا المبدأ وقمت بتطبيقه فى رحلاتى .

ويحكى أن أحمد بن خضرويه كان يلبس جبة عندما زار أبا يزيد وأن شاه بن شجاع الكرمانى لبس جبة عند زيارته أبا حفص ، ولم يكن هذا رداءهما المعتاد ، إذ كانا يلبسان المرقع فى بعض الأحيان ، ولباسا من الصوف أو قميصا أبيض فى أحيان أخرى حينما اتفق لهم والنفس الإنسانية تحب العادة وتخضع لها ، وعندما تعتاد شيئا يصبح طبيعيا بالنسبة لها ، وعندما يصبح طبيعيا يصير حجابا : قال عليه الصلاة والسلام ( خير الصيام صيام أخى داود فسألوه : يا رسول الله أي صيام ذلك ؟ فقال : كان يصوم يوما ويفطر يوما ) ]59[وذلك حتى لا تصبح نفسه معتادة على الصيام أو على الإفطار(1) ، وكان اخلص الأصدقاء أبو حامد الدستان المروزى (2) محسنا كل الإحسان فى هذا الموضوع ، فقد اعتاد تلامذته أن يضعوا عليه رداء ولكن عندما كانوا يريدون أخذ هذا الرداء كانوا يبحثون عنه وقت راحته ووحدته ويأخذون الرداء منه ، وكان لا يقول لمن وضعوا عليه الرداء : لماذا وضعتموه ؟ أو لمن أخذوا الرداء : لماذا أخذتموه ؟ . وهناك فى الوقت الحاضر فى غزته حفظها الله رجل طاعن فى السن ، يدعى مريد ليس له اختيار أو تمييز بما يختص بما يرتديه ولاشك أنه محسن فى هذا.

أما بالنسبة للون الأزرق الذى يغلب على ملابسهم فمن أسباب ذلك أن لهم سياحات فالسياحة من أسس طريقتهم وفى السياحة لا يحتفظ الرداء الأبيض بلونه الأصلى ولا يسهل غسله علاوة على أنه موضع اشتهاء كل شخص .

وهناك سبب آخر وهو أن اللباس الأزرق شعار الحزانى المكلومين وهذا العالم مكان المتاعب ومأوى الأسى ومنزل الفراق ومهد الأحزان ، وعندما يرى المريد أن ليس فى الإمكان تحقيق أمل قلبه فى هذا العالم يقوم بارتداء الملابس الزرقاء ويجلس فى حداد الوصال مع أمله . 

ويرى الآخرون فى أعمال العبادة أنها ناقصة وان القلب لا يقبع فيه إلا الشر ن وان الحياة ليس فيها إلا الفوت ، ولهذا يرتدون الأزرق لأن الفوت أشد من الموت(3) . فهناك من يرتدى الأزرق عند موت عزيز وهناك من يرتديه عند فوت أمل محبب إلى القلب .  

سئل درويش : لما يرتدى الأزرق ؟ فأجاب قائلا : " ترك الرسول ثلاثة أشياء الفقر والمعرفة والسيف ]60[فالسيف أخذه الملوك وأساءوا استعماله ، والمعرفة اختارها العلماء وقنعوا بمجرد تعلمها ، والفقر اختاره الدراويش وجعلوه وسيلة للإثراء . وأنى لبست الأزرق حداداً على ما أصاب هؤلاء الثلاثة من مصيبة .

وكان المرتعش يسير يوماً فى أحد أحياء بغداد وشعر بالظمأ فاتجه إلى أحد المنازل وسأل أصحابه جرعة ، فجاءت إليه ابنة صاحب البيت ببعض الماء فى وعاء ، فأخذ المرتعش بجمالها ولم يرد أن يغادر المكان حتى جاءه صاحب البيت ، فقال له المرتعش: يا سيدى ! . حلت مصيبة فى شربة ماء . لقد جاءت ابنتك بجرعة ماء ولكنها سلبتنى قلبى ، فأجابه صاحب البيت : هى ابنتي وأنى أعطيها زوجة لك . فدخل المرتعش البيت وتم العقد . وكان أبو الفتاة رجلا ثريا فأرسل بالمرتعش إلى الحمام حيث خلع عنه عباءته المرقعة وارتدى لباساً طيباً ، وفى المساء نهض ليقوم بصلاته وعبادته ، ولكنه سرعان ما صاح قائلا : إلى بعباءتى المرقعة ، فسألوه : وماذا يضيرك ؟ فأجابا : سمعت صوتاً يقول فى أعماقى : بسبب نظرة عاصية نزعنا عنك المرقع وهو رداء التقوى ، فإذا نظرت مرة ثانية نزعنا رداء القرب من قلبك . فاللباس الذى يكون ارتداؤه سببا فى القرب من الله ويرتديه أولياء الله تعالى على التوفيق لا ينبغى أن تزاول الحياة مع عدم القيام بحقه ]61[فالخيانة لا تليق برداء الأولياء وذلك بأن تكون مسلما على التحقيق دون إدعاء أفضل من أن تكون ولياً كذاباً ، وليس أهل لارتداء المرقع إلا نوعين من الرجال : من ترك الدنيا واشتاق إلى المولى .   

ويتبع شيوخ التصوف هذه القاعدة عندما ينضم سالك جديد إليهم بغية ترك الدنيا فيخضعونه لنظام روحى ثلاث سنوات ، فإذا وفى متطلبات هذا النظام فخير وإلا أعلنوا انه غير أهل للطريق ، وهم يخصصون أول سنة لخدمة الناس ، والسنة الثانية لخدمة الله ، والسنة الثالثة لمراعاة تقلبات قلبه .

وهو لا يخدم الناس إلا إذا وضع نفسه موضع الخدم ، ووضع كافة الناس موضع السادة. بمعنى أن يجب أن يعتبر كافة الناس أفضل منه ، وان واجبه خدمتهم جميعاً على سواء .

ويجب ألا يعتبر نفسه أعلى شأناً ممن يخدمهم ، ففى هذا الخسران المبين والخداع الواضح ن والغبن الفاحش وهو سبب من أسباب الضياع الذى لا دواء له فى هذا العصر . ولا يمكنه أن يخدم ربه إلا حين ينزع عنه كافة رغباته بالنسبة لهذه الدنيا وللعالم الآخر ، ولا يعبد الله إلا لله سبحانه وحده إذ أن من يعبد الله لأى غرض يعبد نفسه ولا يعبد الله . ولا يمكن أن يراعى تقلبات قلبه إلا عندما يجمع أفكاره وينزع همومه من قلبه فيحمى قلبه من الغفلة عند حضرة الأنس .

وعندما يحقق المريد هذه المطالب الثلاثة يمكنه أن يلبس المرقع ويصبح صوفيا صحيحاً لا مجرد مقلد لغيره . 

اما بالنسبة لمن يمنح ]56[المريد حق ارتداء المرقع فمن الواجب ان يكون مستقيم الحال ، عارفا بالطريق بعد قطع تلاله ووهاده وذاق نشوة الحال ، وادرك طبيعة الأعمال وخبر جلال العظمة الإلهية ورحمتها وجمالها . وعلاوة على ذلك فعليه أن يختبر حالة المريد وبقدر المقام الذى يمكن أن يصله بالله وهل هو من الراجعين او الواقفين او البالغين . وإذا ادرك انه سوف يعتزل الطريق فى يوم من الأيام فعليه ألا يسمح له بالسير فيه ، اما إذا أدرك انه سيتوقف عهن السير ويصبح من الواقفين فعليه ان يتصل به ويجعله يواصل تقواه ، وأخيراً فإذا أدرك انه سيكون من الواصلين فعليه أن يمنحه الغذاء الروحى . ومن ثم فإن شيوخ التصوف هم أطباء النفوس فإذا كان الطبيب جاهلا بمرض المريض قتله ، إذ لا يعرف وسيلة علاجه ولا يدرك بوادر الخطر وعلاماته ويصف له من الطعام والشراب ما لا يناسب مرضه ، وقد قال النبى عليه الصلاة والسلام : ( أن الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته(1) ) ، وبما أن للأنبياء بصيرة فى دعوتهم لامتهم بحيث يضعون كل فرد فى مكانه الصحيح فمن الواجب على الشيخ ان تكون له بصيرة فى دعوته ويعطى كل فرد ما يناسبه من الغذاء الروحى حتى يتحقق الهدف من دعوته . 

لهذا فإن من وصل إلى كمال الولاية يسلك الطريق الصحيح عندما يمنح السالك الجديد رداء مرقعا بعد ثلاث سنوات يكون خلالها قد عمله آداب السلوك .

أما بالنسبة للمؤهلات التى تؤهله للبس المرقع فمن الواجب أن ينظر إلى المرقع نظرته إلى الكفن بحيث يتخلى لابسه عن كافة آماله الخاصة بمسرات هذه الحياة الدنيا وان يطهر قلبه من كل شهوة ويخصص حياته كلها لخدمة الله ، ويتخلى بصورة كاملة عن كل رغبة ذاتية ، وعندئذ يقوم الشيخ بتكريمه بأن يلبسه رداء الشرف ، بينما يقوم السالك بدوره بالقيام بما يتطلبه لبس هذا الرداء ويحاول بكل قوته أداءه ، ويرى أن من المحرم عليه إشباع مطالبه .

وقد وردت عدة إشارات فيما يختص بالمرقع ، وقد كتب الشيخ أبو معمر الأصفهانى(1) كتابا عن هذا ]56[الموضوع ، ويظهر أن أغلب المريدين غلوا فى هذا الموضوع ،ولا أقصد فى كتابى هذا أن أروى هذه الأقوال ولكنى أريد أن أوضح مصاعب الصوفية.

وأفضل إشارة بالنسبة للمرقع هى أن جيبها الصبر وأكمامها الخوف والرجاء وحشوها القبض والبسط وحزامها مخالفة النفس وطرفها صحة اليقين وإطارها الإخلاص .

وهناك إشارة أفضل هى أن طرفها اعتزال الناس وأكمامها اعتزال الناس وأكمامها الحفظ والعصمة وحشوها الفقر والصفوة وحزامها الإقامة فى المشاهدة وطرفها الأمن فى الحضور وإطارها القرار فى المحل . فإذا صنعت لروحك مرقعا من هذا النوع كان خليقا بك أن تصنع لظاهرك مرقعا ترتديه . وقد كتبت كتابا مفصلا فى هذا الموضوع عنوانه " أسرار الخرق والمرقعات " ، وعلى المريد ان يحتفظ لنفسه بنسخة منه .

وإذا اضطر المريد الذى يلبس المرقع إلى تمزيق ردائه لغلبة الحال وقهر السلطان فله أن يفعل ذلك . ولكن إذا قام بتمزيقه بمحض إرادته دون إرغام على ذلك ، فأن قانون أهل الطريق يقضى بألا يسمح له أن يلبس المرقع رغبة فى التظاهر دون أن يكون له أى معنى روحى بالنسبة لهم . أما بالنسبة لتغيير الرداء فإن المبدأ الصحيح يقتضى ان يغير الصوفى رداءه ، شكرا لله عندما يجتاز مقاما من المقامات ويبدأ مقاما آخر اعلى منه . 

ولكن إذا كانت كافة الأردية خاصة لمرحلة واحدة من المراحل فإن المرقع لباس يصلح لكل المراحل الخاصة بطريق الفقر والصفاء ولهذا فإن إنتزاعه يعنى ترك الطريق كله . وإنى أشير هنا إشارة عابرة لهذا الموضوع وإن لم يكن هذا مكانها المناسب وذلك حتى ]64[احسم هذا الأمر . وسأقوم إن شاء الله بكتابة شرح واف له فى باب الخرق ، وفى كشف أسرار السماع . وقد قيل زيادة على ذلك أنه من الواجب على من يمنح المرقع للمريد ان تكون له أسرار روحية كبيرة حتى أنه إذا ظهر عطفه على الغريب صار قريبا وإذا لبس المذنب هذا الرداء أصبح من أولياء الله .

كنت فى خدمة شيخى فى ديار آذربيجان ورأينا رجلين أو ثلاثة رجال يلبسون المرقع ويقفون إلى جوار جرن ممسكين رداءهم ، أملا فى أن يلقى إليهم القلاع شيئاً من القمح وعندما رآهم الشيخ صاح قائلا :

( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تَجاَرتُهُمْ وَماَ كَانُوا مهْتَدِيَن(1) )

فسألته : كيف تردَّوا إلى هذا الخزى والعار وافتضحوا أمام الخلائق ؟ . فاقل : ان مرشديهم طمعوا فى اجتذاب الاتباع وكانوا هم أنفسهم فى حطام الدنيا ولا يختلف حرص عن حرص . والدعوى دون أمر تزيد فى الهوى .

وقيل أن الجنيد رأى مرة عند باب الطاق (2) شابا مسيحيا حسن الوجه فقال الجنيد : يا إلهى اعف عنه من أجلى فقد خلقته فى غاية الحسن . وبعد فترة قصيرة جاء الشاب إلى الجنيد معلنا إسلامه وأصبح من الأولياء .

وسئل أبو على سياه المروزى (3) " من الذى يسمح له بالباس المريد المرقع ؟ فأجاب:من يرد ملك الله بحيث لا يجرى عليه ما يوجد فى الدنيا من أحكام وأحوال إلا بمعرفة ]65[.  

إذن فالمرقعة سمت الصالحين وعلامة الطيبين ولباس الفقراء والمتواضعين وفى الحقيقة فقد جرى الكلام قبل ذلك عن الفقراء والصفوة ولو أن شخصا ما جعل من لباس الأولياء لباس له فإنما يعد لباس فساده ولا يلحق خسارة بأهلها الحقيقين .

 

 


(1)     الحديث الشريف : أخرجه الحاكم والبيهقى عن أبى إمامة . جامع شرح 2 – 124

(2)   روى ابن عساكر عن أبى أيوب الأنصارى رضى الله عنه ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركب الحمار ويخصف النعل ويرقع القميص ويلبس الصوف ويقول : من رغب عن سنتى فليس منى ) . قال السيوطى : ضعيف . كنوز الحقائق 197 .

(3)   الحديث الشريف . روى عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( يا عائشة أن أردت اللحوق بى فليكفك من الدنيا مزاتد الراكب وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تستخلفى ثوباً حتى ترقعيه ) تنبيه الغافلين لنصرين محمد السمرقندى ص 80 استانبول 1329 .

(4)     المدثر 4 .

(1)     الجمعة الآية : 5

(2)     هو أبو عبد الله الجزى روى السلمى " قيل له ... لم لا تلبس المرقعة ؟ فقال : من النفاق أن تلبس لباس الفتيان ولا تدخل فى حمل أثقال (الفتوة) أنظر السلمى طبقات ص 355 .

(1)      الحديث الشريف : من أحب قوما حشر فى زمرتهم . أخرجه الطبرانى والضياء عن أبى قرصافة – جامع شرحه 2 / 324 .

(2)   أبو القاسم الجرجانى ، واسمه على ، تتصل نسبته بالجنيد البغدادى عن طريق الشيخ ابى عثمان المغربى وأبى على المكاتب وأبى على الروذبارى ومن مساعدى الشيخ أبى سعيد ابن أبى الخير ، ويذكره دائماً الهجويرى كمرشد له . توفى فى الربع الأخير من القرن الخامس انظر نفحات الانس لعبد الرحمن الجامى ص 307 – ص 308 طهران 1336هـ ش بتحقيق مهدى توحيد بور .

(1)     الحديث الشريف : ( أفضل الصوم صوم أخى داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ) ولا يفرذ لا " رواه الترمذى والنسائى عن ابنعمر – جامع " شرح 1/153.

(2)   أبو حامد الدستان المروزى : من شيوخ الصوفية المشهورين وهذه الحكاية مشهورة ورواها صاحب نفحات الانس بعد ذلك . وهو من شيوخ النصف الأول من القرن الخامس الهجرى . انظر نفحات الانس لعبد الرحمن الجامى ص 281.

(3)   " الفوت أشد من الموت " . من أقوال يحيى بن معاذ ، انظر السلمى طبقات ص 112 والكلمة بنصها " الفوت أشد من الموت لأن الفوةت انقطاع عن الحق والموت انقطاع عن الخلق "

(1)     البقرة 16 .

(2)     هو باب بالحى الشرقى فى بغداد .

(3)     أبو على سياه المروزى : كان معاصرا لابى العباس القصاب كما لحق بأى على الدقاق وكانت وفاته بمرور سنة 424 هـ - انظر نفحات الانس لجامى ص 290 .

Read 129 times Last modified on 04 آب/أغسطس 2013
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com