الأحد, 04 آب/أغسطس 2013 21:09

البـاب الثالث فى التصوف

Written by 
Rate this item
(0 votes)

البـاب الثالث

 فى التصوف

 

قال الله تعالى : (وَعِبَادُ الرَّحَمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَهلِوُنَ قَالوُا سلاَماً (1)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما معناه " من سمع صوت داع ولم يؤمن على دعائه كتب عند الله من الغافلين(2) . وكثيراً ما كان المعنى الحقيقى لكلمة "متصوف" موضع نقاش وقد كتبت فى ذلك كتب كثيرة . ويؤكد البعض أن الصوفى لقب بهذا الاسم لأنه يرتدى رداء من الصوف ، ويقول البعض الآخر : أنه لقب بالصوفى لأنه فى الصف الأول ، ويقول آخرون : إن السبب هو أنهم ينتمون إلى " أهل الصفة " رضى الله عنهم وهناك من يقول كذلك أن الاسم مشتق من الصفاء .

]35[ولكن هذه التفسيرات لكلمة صوفى لا توفى متطلبات الاشتقاقات اللغوية وغن كان لكل رأى ما يؤيده من الحجج الدقيقة .

إن الصفاء صفة محمودة وعكسه الكدر ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم (لقد ذهب صفو الدنيا وبقى كدرها) لطائف الأشياء صفوها وكثائف الأشياء كدرها .

وبما أن الصوفية قد ظهروا بأخلاقهم وتصرفاتهم حاولوا أن يتجنبوا كل ما يلطخها ، فإنهم لذلك يلقبون بالصوفية وهذه التسمية اسم علم ، وبما أن كرامة أهل التصوف من الوضوح بحيث لا تخفى معاملاتهم ، لهذا فإن اسمهم فى غير حاجة إلى شرح وفى هذا الوقت حجب الله تعالى معظم الناس عن الصوفية وعن اتباعها وأخفى أسرارها عن قلوبهم ولذلك فإن البعض يتخيل أنها تتكون أساساً من التقوى الظاهرية دون تأمل داخلى، ويعتقد الآخرون أنها نظام لا أساس له ، حتى أنهم اتبعوا رأى الساخرين منهم من علماء الظاهر والذين ينكرون الصوفية إنكاراً كاملاً دون أن يبذلوا أية محاولة لاكتشاف حقيقتها .   

إن أولئك الذين ينساقون انسياقاً أعمى مع هذا الرأى قد نزعوا من قلوبهم تلك الرغبة فى الصفاء الباطنى ونبذوا صفات السابقين الأولين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إن الصفا صفة الصدّيق                        إذا أردت صوفياً على التحقيق

ذلك أن للصفاء  أصل وفرع : فأصله انتزاع القلب من الأغيار وفرعه نفض اليد من هذه الدنيا الخادعة . وكانت هاتان الصفتان تميزان الصديق أبى بكر عبد الله بن أبى قحافة رضى الله عنه . فهو إمام أهل هذا الطريق ويكفى دليلا على انقطاع قلبه ]36[عن الأغيار أن كل الصحابة انكسرت قلوبهم لذهاب الرسول صلى الله عليه وسلم على الحضرة العلية والمكان الأسمى ، وسل عمر رضى الله عنه سيفه قائلا : " من قال إن النبى قد مات جززت رأسه " وعندئذ تقدم أبو بكر وقال بصوت عال : " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت " وتلا الآية الكريمة (وَماَ مُحمَّدُ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمُ عَلَى أَعْقَابِكُمْ (1)) إن كل من يربط قلبه بالفانى فإنه يفنى ، ويضيع سعى قلبه هباء ، وذلك الذى يمد روحه إلى الحضرة الباقية يكون قائما بالبقاء ، حين تفنى النفس . أما أولئك الذين ينظرون إليه بعين الحقيقة فيدركون أن وجوده معهم وغيابه عنهم سواء ، إذ أن هاتين الحالتين راجعتان إلى الله ، وهم لا ينظرون إلى ما حدث من تبديل ، ولكن إلى الله الذى يبذل كل شئ ، وهم لا يبجلون محمدا إلا بالقدر الذى كرمه به الله ولا تتعلق قلوبهم بأحد غير الله ولا يفتحون عيونهم ليروا أحداً من البشر واضعين فى اعتبارهم أن" من نظر إلى الخلق هلك ومن رجع إلى الحق سلك " وقد برهن أبو بكر أن يده قد نفضت من هذه الدنيا الخادعة ، فقد تبرع بماله كله ومواليه ، وارتدى رداء من الصوف ، ثم جاء النبى صلى الله عليه وسلم فسأله : ( وما خلفت لعيالك ؟ . فأجابه أبو بكر : تركت لهم الله ورسوله ]37[. أى تركت لهم خزينتين لا تنفذان وكنزين لا ينتهيان أى محبة الله تعالى ومتابعة رسوله وإنكارهما قبيل إنكار العيان .   

لقد قلت أن " الصفاء " عكس للكدر ، والكدر من صفات الإنسان . ولهذا فإنالصوفى الحقيقى هو من يترك الكدر وراء ظهره ، وهكذا فقد سيطرت البشرية على نساء مصر، عندما نظرن معجبات إلى جمال يوسف عليه السلام . ولكن نظرتهن تغيرت حين رأينه بعد فناء بشريتهن فقلن (مَا هَذَا بَشَراً(2)) . ولذلك فإن شيوخ الصوفية رضى الله عنهم يقولون : " ليس الصفات من صفات البشر ، لأن البشر مدر ، والمدر لا يخلو من الكدر " ولهذا فالصفاء غير مرتبط بالأفعال ويمكن القضاء على الطبيعة البشرية بالمجاهدة وليست صفة الصفاء مرتبطة بالأعمال والأحوال ولا اسمه متعلق بالأسماء والألقاب بل الصفاء سمة الأحباب ، وهو شموس بلا سحاب ذلك لأن الصفاء صفة المحبين ، والمحب هو الفانى فى صفاته والباقى فى صفات محبوبه وحالاته فى نظر أرباب الحال أشبه بالشمس الساطعة .

لقد سئل حبيب الله محمد المختار عن حال حارثة فأجاب : (عبد نور الله قلبه بالإيمان) أى أنه عبد أنار الله قلبه بنور الإيمان فأضاء وجهه كالقمر من النور الألهى .

وكذلك قال الصوفية " ضياء ]38[الشمس والقمر إذا اشتركا نموذج من صفاء الحب والتوحيد إذا اشتبكا " . وليس من شك أن ضياء الشمس والقمر لا قيمة لهما بجانب ضوء المحبة والاتحاد مع الله تعالى ولا تصح المقارنة بينهما ، ولكن ليس فى هذا العالم من الضوء ما يزيد على هذين الضوءين وليس فى وسع العين أن ترى ضوء الشمس والقمر فى تمامها وهى ترى السماء أثناء إشراق الشمس والقمر ، أما القلب فإنه يرى العرض بضوء المعرفة والوصول والمحبة وهو يكتشف العالم الآخر رغم وجوده فى هذا العالم .

ويتفق كل شيوخ الطريقة ، رحمهم الله ، انه عندما يتحرر الإنسان من قيود المقامات ويتخلص من كدورات الأحوال ويرتفع عن مكان التلون والتغير ، ويتصف بالصفات الحميدة كلها ، عندئذ ينفصل عن كافة هذه الصفات ، بمعنى أنه لا يصبح أسيرا لأى صفة حميدة من صفاته وأيامه منزهة عن خطرات الظنون فلا يهتم بها ، ولا يزداد غروره بوجودها ويصبح حاله بعيداً عن متناول الفكر ، ويصبح حضوره مع الله بلا ذهاب ووجوده بلا أسباب . فيكون حاضرا بلا غيبة ، واحدا بلا سبب ، ذلك أن الغيبة حينما تحل به لا يكون حاضرا . وعلة وجده ألا يكون واجدا ن لان الصفاء حضور بلا ذهاب ، وجود بلا أسباب . وعندما يصل إلى هذه الدرجة يصبح فانيا عن الدنيا والعقبى ويصبح ربانيا فى درع الإنسانية ، ويصبح الذهب والمدر سواء فى نظره ، وتسهل عليه تلك العبادات التى يرى الآخرون من الصعب عليهم مزاولتها .

]39[جاء حارثة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قال له الرسول : ( كيف أصبحت يا حارثة ؟ . قال أصبحت مؤمنا حقا . فقال صلى الله عليه وسلم : أنظر ما تقول يا حارثة، إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك . فقال : عزفت نفسى عن الدنيا فاستوى عندى حجرها وذهبها وفضتها ومدرها ، فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى ، وصرت كأنى انظر إلى عرش ربى بارزا وكأنى أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأنى انظر إلى أهل النار يتصارعون فيها ، وفى رواية أخرى / يتغامزون فيها . قال : عرفت فالزم ) قالها ثلاثا (1) .

وقد أطلقت كلمة الصوفى على كاملى الولاية ومحققى الأولياء ، ويقول أحد المشايخ : "من صافاه الحب فهو صاف ومن صافاه الحبيب فهو صوفى (2)

ولا تخضع هذه الكلمة للاشتقاقات اللغوية المعروفة إذ أن الصوفية من الرفعة بحيث لا يكون لها أصل تشتق منه .

ذلك أن اشتقاق شئ من شئ آخر يتطلب المجانسة ، وكل ما هو موجود عكس للصفاء ، ولا يمكن اشتقاق شئ من نقيضه . ومعنى الصوفية بالنسبة للصوفى ممنوع عن العبارة والإشارة ]36[. وبما أن كلمة صوفى تتطلب شرحا ، فإن كل الناس يحاولون تفسيرها سواء عرفوا قدرها أم جهلوه أثناء تعلمهم معناها .

ويلقب الكامل منهم "بالصوفى" ويسعى المريدون والطلاب "بالمتصوفة" إذ أن تصوف على وزن "تفعل" وهو يعنى التكلف ، وهو فرع من الأصل والفرق فى المعنى والاشتقاق واضح : " فالصفاء ولاية لها آية ، والتصوف محاكاة للصفاء بلا شكاية " وعليه فإن الصفاء ساطع رائع والتصوف محاكاة له . 

والناس من هذا فى درجات ثلاث : صوفى ومتصوف ومتشبه . فالصوفى من فنى عن نفسه وعاش بالحق ، من نجا من قبضة الطبائع واتصل بحقيقة الحقائق , والمتصوف من يحاول الوصول إلى هذا المقام عن طريق المجاهدات ، ويحاول أن يصحح من سلوكه محتذيا حذو الصوفية . أما المتشبه فهو من يتشبه بالصوفية أو التصوف . ولهذا قيل : المتشبه عند الصوفية كالذباب ، وعند غيرهم كالذئاب ، أى أنه عند الصوفية حقير كالذباب ، وعند الآخرين كالذئب المتوحش ، كل همه لتمزيق وأكل الجيفة . ولهذا فإن الصوفى صاحب وصول ، والمتصوف صاحب أصول ، والمتشبه صاحب فضول. ومن كان نصيبه الأصول يتمسك بأحوال الطريق ويخلص فى التعرف على أسرارها ، ولكن من كان نصيبه الفضول يبقى صفر اليدين من كل ما يستحق الحصول عليه ويبقى عند باب الرسم ؟، ولهذا فهو محجوب عن المعانى ، ويجعله هذا الحجاب ]41[محجوبا عن الوصول والأصول ، وقد أعطى مشايخ الطريق تعريفات دقيقة للصوفية لا يمكن إحصاؤها ولكن سنذكرها هنا أو بعضها حتى تتم الفائدة إن شاء الله .

فصل :

يقول ذو النون المصرى : " الصوفى من إذا نطق أبان نطقه عن الحقائق وإن سكت نطقت عنه الجوارح بقطع العلائق"(1) اى عبرت جوارحه عن قطعه لكل ما هو دنيوى : إن كل ما يقوله الصوفى قائم على الحقيقة وكل ما يفعله قائم على التجريد ، إذا قال فقوله حقيقة وإذا سكت فأعماله جميعاً فقر .

ويقول الجنيد : " التصوف نعت أقيم العبد فيه . قيل نعت للعبد ؟ أم نعت للحق ؟ . فقال: نعت للحق حقيقة ، ونعت للعبد رسماً " (2) بمعنى أن جوهر التصوف يقتضى فناء الصفات البشرية ويتأنى هذا عن بقاء الصفات الإلهية ، وهى من صفات الله أما مظهره فيقتضى من الإنسان دوام المجاهدة ودوام المجاهدة من الصفات الإنسانية على الإطلاق. إذ أن الصفات الإنسانية غير ثابتة ، فهى ليست إلا رسمناً لا دوام له إذ أن الفاعل هو الله ، ولهذا فهى فى الحقيقة من عمل الله ، ولهذا نجد أن الله يأمر عبده بالصيام ويطلق عليه لقب صائم والصوم من الناحية الاسمية خاص بالإنسان ، ولكنه ]42[فى حقيقته خاص بالله . قال الله فى الحديث القدسى : ( الصوم لى وأنا أجزى به)(3) لأن أكل أفعال الله له ، وإذا نسب الناس صفات لهم فإنما هذا من الناحية الشكلية المجازبة لا من الناحية الحقيقية . 

ويقول أبو الحسين النورى :" التصوف ترك كل حظ للنفس "(4) . وهذا الترك نوعان : ظاهرى وحقيقى . مثال ذلك : أنه إذا ترك الإنسان الحظ ووجد الحظ فى الترك فهو أيضاً حظ وهذا ظاهرى ، ولكن إذا تركه الحظ بتة فهذا فناء الحظ . وأصبح ذلك من قبيل المشاهدة وعليه فإن ترك الحظ من عمل الإنسان ، ولكن فناء الحظ من عمل الله ، فعمل الإنسان ظاهرى وعمل الله حقيقى . إن قول النورى يوضح ما سبق أن ذكرناه عن الجنيد . ويقول أبو الحسين النورى أيضاً : " الصوفية هم الذين صفت أرواحهم فصاروا فى الصف الأول بين يدى الله " (1) . اى صفت أرواحهم عن كدر البشرية ، وصفيت من آفات النفس ، وتخلصت من الهوى حتى سكنت الصف الأول إلى الله ، وهربت ممن سواه . ويقول كذلك : " الصوفى لذى لا يملك ولا يملك(2) ومعنى هذا حقيقة الفناء ، إذ أن من فنيت صفاته لا يملك ولا يملك ، ونقصد بالملكية هنا ملكية الأشياء الفانية وحدها والمعنى أن الصوفى لا يمتلك لنفسه أى عرض من أعراض هذه الدنيا أو أى جاه فى العالم الآخر إذ انه لا يملك حتى نفسه .

أنه لا يرغب فى التسلط على الغير ، حتى لا يرغب الغير فى التسلط عليه ، وهذا قول لطيف ]43[ويشير هذا القول إلى سر من أسرار الصوفية ، يسمونه "الفناء الكلى" وسوف نذكر إن شاء الله فى هذا الكتاب المواضع التى أخطأ وفيها حتى يصير ذلك معلوماً لديك .

ويقول ابن الجلاء(3) : " التصوف حقيقة لا رسم له " . إذ أن الرسم خاص بالإنسان فى معاملاته ، أما الحقيقة فهى خاصة بالله ، وبما أن الصوفية هى الابتعاد عن البشرية فلذلك كانت بلا رسم .   

ويقول أبو عمرو الدمشقى رحمه الله : " التصوف رؤية الكون بعين النقص بل غض الطرف عن الكون(4) " فقوله " التصوف هو النظر إلى الكون بعين النقص هذا دليل بقاء الصفة عن النظر فى الكون فحينما لا يبقى الكون لا يبقى النظر ، وغض الطرف عن الكون بقاء البصيرة الربانية ، أى أن كل من يعمى نفسه يبصر بالله ، ذلك أن الكون يطلب من يطلبه ، فأعماله من نفسه وإليها ، فلا طريق خارجى يهرب به عن نفسه ، إذن فثمة شخص يرى نفسه ولكنه لا يرى مساوئه ، وآخر يغض الطرف عن نفسه فذلك الذى يرى وإن كان يرى مساوئه فبصيرته حجاب ، وذلك الذى لا يرى لا يصير محجوباً بالعمى ، وهذا أصل قوى من أصول التصوف عند أرباب المعانى وليس هنا مقام شرحه .

يقول أبو بكر الشبلى رحمه الله : " التصوف شرك " لأنه صيانة القلب من رؤية الغير ولا غير ، يعنى أن رؤية غير الله فى التوحيد شرك وعندما لا يكون للغير قيمة فى القلب فمن السخف أن تحمى القلب من تذكر الغير .

]44[ويقول الحصرى : " التصوف صفاء السر من كدورات المخالفة(1) " ومعناها أن من الواجب حماية القلب من الاختلاف مع الله ، إذ أن المحبة وفاق والوفاق عكس الاختلاف ، وليس للمحب إلا واجب واحد فى هذا العالم وهو ان ينفذ أمر محبوبه. وإذا كان القصد واحداً فكيف يقوم الخلاف . ويقول محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم أجمعين " التصوف خلق فمن زاد عليك فى الخلق زاد عليك فى التصوف "(2)

وحسن الخلق نوعان : متعلق بالله وبالإنسان ، والأول الرضا بقضاء الله ، والثانى تحمل أعباء صحبة الناس من اجل الله . وهذان المظهران خاصان بالطالب ، والله غنى عن رضا الطالب أو غضبه وتتوقف هاتان الصفتان على إدراك الطالب لوحدة الله .

ويقول أبو محمد المرتعش : " الصوفى لا تسبق همته خطوته " بمعنى(3) أنه دائما فى حضور، إذا توجد نفسه أينما وجد جسمه ، ويوجد جسمه أينما وجدت نفسه ، وهذه علامة الحضور دون الغيبة ويقول الآخرون عكس ذلك : أنه يغيب عن نفسه ويحضر مع الله . وليس الأمر كذلك بل هو حاضر مع نفسه حاضر مع الله ، والمعنى يشير إلى جمع الجمع ، إذ لا يمكن أن يكون هناك غيبة عن النفس ما دام الإنسان ينظر إلى نفسه ، وعندما يتوقف نظر الإنسان إلى نفسه يكون هناك حضور مع الله دون غيبة .

وهذا المعنى قريب مما قاله الشبلى . " الصوفى لا يرى فى الدارين مع الله غير الله " وباختصار فإن بقاء البشرية غير وحينما لا يرى الإنسان الغير لا يرى نفسه ، ويصبح خالياً من النفس فى حال نفيه وإثباته . يقول الجنيد ]45[" التصوف مبنى على ثمانى خصال : السخاء والرضا والصبر والإشارة والغربة ولبس الصوف والسياحة والفقر ". 

أما السخاء فلأبراهيم ،وأما الرضا فلأسماعيل ، وأما الصبر فلأيوب ، وأما الإشارة فلزكريا ، وأما الغربة فليحي ، وأما لبس الصوف فلموسى ، وأما السياحة فلعيسى ، وأما الفقر فلمحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم . ويعنى أن الصوفية تقوم على ثمانى صفات ، تمثل فى ثمانية رسل : " كرم إبراهيم الذى ضحى بابنه ، ورضا إسماعيل الذى رضا بقضاء الله وضحى بحياته الغالية ، وصبر أيوب الذى تحمل صابراً عذاب الحشرات ، وامتحان الرؤوف الرحيم ، وإشارة زكريا الذى قال له الله تعالى : ( آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إلاَّ رَمْزاً(1) ) وقال أيضاً (ذِكْرُ رَحْمِةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءَ خَفِيًّا(2) ) ، وغربة يحيى الذى كان غريباً فى بلده وعن قومه ، وسياحة عيسى الذى أبت تنفسه الأغراض الدنيوية حتى أنه لم يحتفظ لنفسه إلا بكوب ومشط ، وقد ألقى بالكوب عندما رأى شخصاً يشرب الماء بيديه وألقى بالمشط عندما رأى شخصاً يستخدم أصابعه ، ولبس الصوف لموسى الذى كان رداؤه من الصوف ، والفقر لمحمد الذى أعطاه الله مفاتيح كنوز الدنيا قائلاً : " لا تأس عليهم وخذ ما تريد من متاع هذه الكنوز . فأجاب : أشبعنى يوما واجعنى يومين " وهذه اسمى مبادئ السلوك .

ويقول الحصرى : " الصوفى لا يوجد بعد علمه ولا يعدم بعد وجوده " (3) ]46[بمعنى أنه لا يفقد أبداً ما وجده ولا يجد أبداً ما فقده .

وهناك معنى آخر هو أن وجوده ليس فيه "لا وجود" وان لا وجوده ليس فيه وجود أي وقت بحيث يكون إما فى إثبات بغير نفى أو فى نفى بغير إثبات .

والغرض من كل هذه التعبيرات هو أن بشرية الصوفى يجب أن تتلاشى وشواهده يجب أن تختفى وارتباطه يجب أن ينفصم حتى ينكشف سر بشريته وتتجمع تفاريقه فى حال الجمع وحتى يحيا فى نفسه .

ويمكن أن تظهر نتيجة ذلك فى حياة رسولين : أولهما موسى الذى لم يكن فى وجوده عدم ولهذا قال ( رَبِّ اشْرَحْ لىِ صَدْرِى وَيَسَّرْ لىِ أَمْرِى (4) ) وثانيهما محمد الذى لم يكن فى عدمه وجود فقال الله تعالى : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (5) ) أن الأول سأل مولاه ان يزينه وناشده تشريفه إياه ولكن الثانى قد نال الشرف إذ لم يكن له سؤال أو بغية يطلبها لنفسه . 

ويقول على بن بندار الصيرفى النيسابورى : " التصوف إسقاط الرؤية للحق ظاهراً وباطناً (6) " . بمعنى أن الصوفى لا يجب أن يرى ظاهره أو باطنه بل يعتبرهما لله . وهكذا فإذا نظرت إلى الظاهر وجدت عناية الله فى الظاهر ، وعندئذ فإن الأعمال الظاهرية لا تساوى جناح بعوضة إذا قورنت بنعمة الله ولذلك وقفت عن رؤية الظاهر .

وإذا نظرت إلى الباطن وجدت مظهراً باطنياً لعون الله ، وعندئذ فإن الأعمال الباطنية لا تبلغ مثقال ذرة إذا قورنت بعون الله ، ولذلك توقفت عن الرؤية للباطن وترى أن كل شئ لله . وعندما ترى أن كل شئ لله تجد أنك لا تملك من الأمر شيئاً .

]47[ويقول محمد بن أحمد المقرئ " التصوف استقامة الأحوال مع الحق "(1) أى أن الأحوال تغرى الصوفى بعيدا عن الحق أو ترميه فى الاعوجاج إذ أن من انعقد قلبه على محول الأحوال لا يسقط من مرتبة الاستقامة ولا يحجب عن الوصول إلى الحق .

 

فصل :

قولهم فى المعاملات :

يقول أبو حفص الحداد النيسابورى " التصوف كله آداب . لكل وقت أدب ، ولكل مقام أدب ، ولكل حال أدب . فمن لزم آداب الأوقات بلغ مبلغ الرجال . ومن ضيع الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب ، ومردود من حيث يظن القبول (2) " ومعنى هذا قريب من حكمة أبى الحسين النورى : " ليس التصوف رسوما ولا علوما ولكنه أخلاق (3) " فلو كان رسوماً لحصلت عليها بالمجاهدة ، ولو كان علوما لتوصلت إليها بالتعلم لكنه أخلاق ما دمت تطلب أحكامها من نفسك ، ولا تصحح معاملاتها مع نفسك ولا تعطيها الإنصاف من نفسك فلا تحصل عليها .  

والفرق بين الرسوم والأخلاق ، هو أن الرسوم أعمال رسمية نابعة من دوافع معينة فهى أعمال خالية من الحقيقة بحيث تصبح صورتها غير حقيقتها . أما الأخلاق فهى أعمال حميدة ليست لها غاية أو غرض أعمال ليس فيها إدعاء يتفق شكلها مع طبيعتها .  

ويقول المرتعش : " التصوف حسن الخلق " ويتكون هذا من ثلاثة أنواع : حسن الخلق مع الله بإتباع أوامره دون نفاق وحسن الخلق مع الناس بإحترام الكبير ورحمة الصغير والعدل مع الأقران ، وعدم طلب الجزاء ]48[او العدل مع الناس بوجه عام ، وحسن الخلق مع نفسك بألا تتبع نوازع الشيطان . ومن يوف هذه الأمور الثلاثة يصير خيرا .

ويتفق ما قلته مع قصة عائشة الصديقة رضى الله عنها فقد سئلت عن طبيعة النبى عليه الصلاة والسلام فأجابت : اقرأوا القرآن فقد أخبر الله عنه حيث قال : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ(1) ) ويقول المرتعش كذلك : " هذا مذهب كله جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل(2) " . أى أن مبدأ الصوفية كله جد فلا تخلطوه بالهزل ولا تتبعوا أسلوب المترسمين ، وتجنبوا من يحاكمونهم بصورة عمياء . أن العامة عندما يرون أولئك المترسمين بين صفوف أهل التصوف فى وقتنا ، ويرون رقصهم وغناءهم وزيارتهم قصور السلاطين ونزاعهم على صدقة أو لقمة عيش تفسد عقيدتهم فى كل أهل التصوف ، يقولون : هذه هى مبادئ الصوفية المعاصرين وليست مبادئ الصوفيين القدامى إلا صورة منها . وهم لا يدركون أن الزمن زمن فترة ، والأيام بلاء .

وبما أن الطمع يجعل السلطان جائراً والشهوة تجعل العالم فاسقاً ، والرياء يجعل الزاهد منافقا ، والغرور يحمل الصوفى على الرقص والغناء ، فعليك أن تدرك أن الفساد فى الرجال الذين يعتنقون هذه المبادئ لا فى المبادئ ذاتها واعلم أن بعض الهازلين قد استخفوا فى رداء الصوفيين الأحرار وذلك لا يجعل جد هؤلاء الأحرار هزلا .

ويقول القرميسينى : " التصوف هو الأخلاق الرضية(3) " والأخلاق الرضية هى أن يرضى المخلوق عن الله فى كل الأعمال ويقنع بما قسمه الله .

ويقول أبو الحسين النورى : " التصوف هو الحرية والفتوة وترك التكلف والسخاء وبذل الدنيا "(4) . يعنى أن التصوف ]49[يحرر المرء من قيود الرغبة والفتوة تجرده من غرور السخاء ، وترك التكلف فى ألا يجاهد فيما يتعلق به والسخاء أن يترك الدنيا لأهلها .

ويقول أبو الحسين البوشنجى (5) : التصوف اليوم اسم بلا حقيقة وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم " يعنى أن هذا الاسم لم يكن موجودا فى عهد الصحابة رضى الله عنهم وفى صدر الإسلام ، ولكن حقيقته كانت فى كل شخص ، أما اليوم فقد وجد الاسم وغابت الحقيقة ,. ويعنى هذا أن مزاولة حقيقة التصوف كانت سائدة فى الماضى ولم يسد الادعاء به . أما اليوم فقد ساد الادعاء ولم يسد العمل . 

لقد ذكرت فى هذا الباب عددا من أقوال الشيوخ عن الصوفية وقمت بشرح هذه الأقوال حتى يتضح هذا الطريق لك – منحك الله السعادة – وحتى تقول للمتشككين : " ماذا تعنون بإنكاركم حقيقة التصوف ؟ " فإذا كانوا ينكرون الاسم المجرد فليس هذا مهما إذ أن الأفكار لا ترتبط بالأسماء وأما إذا كانوا ينكرون الحقائق الأساسية فإن معنى هذا أنهم ينكرون كل ما جاء به النبى وكل صفاته الحميدة وأنى أناشدك فى هذا الكتاب أن تضع هذه الأفكار موضع اعتبارك حتى تبتعد عن الادعاء وتعتقد فى رجال التصوف والله هو الموفق . 

 

 


(1)     الفرقان / 63

(2)   ذكر أبو بكر الهيثمى فى مجمع الزوائد حديثاً بهذا المعنى فى باب التأمين على الدعاء ( 10 / 170 ) عن حبيب بن مسلمة الفهرى قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لا يجتمع ملأ فيدعو بعضهم ويؤمن سائرهم إلا أجابهم الله ) .

(1)     آل عمران / 144

(2)     يوسف / 31

(1)     هكذا عن حارثة وفى صوفى نامه نسب الحديث إلى معاذ بن جبل (ص214) وهذا نقلا عن حلية الأولياء 1/242 وفى السلمى عن حارثة . انظر السلمى . طبقات ص 158.

(2)   أورد السراج الطوسى قولا قريبا من هذا القول " وسئل آخر عن معنى الصوفى فقال : معناه أن العبد إذا تحقق بالعبودية وصافاه الحق حتى صفا من كدر البشرية نتازل منازل الحقيقة وقارن أحكام الشريعة فإذا فعل ذلك فإنه صوفى لأنه قد صوفى .       اللمع ص26 .

(1)     انظر السلمى . طبقات ص19 .

(2)     انظر طبقات الصوفية للسلمى ص 158 .

(3)     الحديث الشريف :

(كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لى وأنا أجزى به . والصوم جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإذا سابه أحد او قاتله فليقل أنى امرؤ صائم والذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وللصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح يفطره وإذا لقى ربه فرح بصومه ) . أخرجه البخارى ومسلم والنسائى عن أبى هريرة .

جامع شرح 2/157.

(4)     كلمة أبى الحسين النورى وردت فى طبقات الصوفية للسلمى ص 166 .

(1)   قول النورى ورد عند الكلاباذى دون نسبة "إنما سموا الصوفية لأنهم فى الصف الأول بين يد الله عز وجل بارتفاع هممهم إليه انظر الكلاباذى . التعرف إلى مذهب أهل التصوف ص 21 ( القاهرة سنة 1960 ) .

(2)   هذا القول نسبة المكى إلى أبى يزيد " الزاهد من لا يملك شيئاً ولا يملكه شئ " قوت القلوب 2/198 ونسبة السراج الطوسى على أبى محمد رويم " التصوف ألا تملك شيئاً ولا يملكك شئ " .

انظر اللمع ص 26 ليدن سنة 1914 .

(3)     فى طبعة لاهور " ابن الجلالى " وابن الجلابى .

(4)   كلمة أبى عمرو الدمشقى وردت فى طبقات الصوفية للسلمى ص 278 والكلمة بنصها " التصوف رؤية الكون بعين النقص بل غض الطرف عن كل ناقص ليشاهد من هو منزه عن النقص " .

(1)     لأبى تراب النخشبى قول شبيه بهذا القول " الصوفى هو الذى لا يكدره شئ ويصفو به كل شئ " انظر طبقات الصوفية للانصارى ص 78 .

(2)     إنما هو محمد بن جعفر أبو بكر الكتانى وقد نسب القشيرى هذه الكلمة إليه ونهايتها " زاد عليك فى الصفاء "                  انظر الرسالة ص 166 .

(3)     ذكر القشيرى هذا القول " ينبغى للفقير ألا تسبق همته خطوته " الرسالة ص 162 .

(1)     آل عمران / 41

(2)     مريم / 10

(3)     انظر السلمى – طبقات ص 491 .

(4)     طه / 25 – 26

(5)     النشراح / 1

(6)     توفى سنة 366 هجرية – انظز النفحات رقم 233 .

(1)     انظر طبقات الأنصارى ص 477.

(2)     انظر طبقات الصوفية للسلمى ص 229 .

(3)     أنظر طبقات الصوفية للسلمى ص 167 .

(1)     الأعراف : 199 .

(2)     هذه الكلمة عند السلمى منسوبة إلى أبى على الروزبارى أنظر السلمى طبقات ص 357 .

(3)     انظر السلمى : طبقات ص 396 .

(4)     انظر السلمى طبقات ص 459 .

(5)     فى الأصل أبو الحسن بوشنجه

Read 263 times Last modified on 04 آب/أغسطس 2013
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com