الأحد, 04 آب/أغسطس 2013 21:06

البـاب الثانى " فى الفقــر "

Written by 
Rate this item
(0 votes)

البـاب الثانى

" فى الفقــر "

 

أعلم أن للفقر مرتبة عالية فى طريق الحق وأن للفقراء خطراً كبيراً كما قال تعالى :     ( لِلْفُقرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فىِ سَبِيلِ اللهِ لاَ يستْطِيعُونَ ضَرْباً فىِ الأَرْضِ يَحْسَبهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِياِءِ مِنَ التَّعَفُفِ(1)) وقال أيضاً : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْداَ مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ(2)) قال ]22[: : (تَتَجاَفى جُنُوبُهُمْ عَنِ المْضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً(3) ) .

وقد أختار الرسول الفقر حين قال : ( اللهم أحيني مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين )(4) وقال كذلك ما معناه : يقول اله يوم القيامة ( أدنوا منى أحبائى ) فتقول الملائكة (ومن أحباؤك) فيقول (فقراء المسلمين) .

والقرآن والسنة زاخران بالآيات والأحاديث المشابهة وهى معروفة بحيث لا يوجد داع لذكرها هنا . وكان من بين المهاجرين  فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم رجال فقراء يجلسون فى مسجده ويخصصون وقتهم كله لعبادة الله (5) ، معتقدين كل الاعتقاد ان الله تعالى سوف يقيتهم بعد أن توكلوا عليه ، وقد أمر النبى أن يجتمع بهم ويوليهم عنايته . فقال عز من قائل : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِىَّ يرُيدُونَ وَجْهَهُ(6)) ولذلك عندما كان النبى يقابل أحدهم كان يقول ما معناه (بأبى أنت وأمى! ، لقد عاتبنى فيكم ربى) . 

ولذلك فقد امتدح الله الفقر وجعله امتيازاً خاصاً للفقراء الذين تجردوا عن كل سبب ظاهرى وباطنى واتجهوا بكلهم نحو مسبب الأسباب حتى صار الفقر مفخرة لهم ينئون لذهابه ويسرون لمجيئه ويأنسون إليه ويعتبرون ما عداه محتقراً .

وللفقر رسم وحقيقة ]23[فرسمه العوز والافتقار ولكن حقيقته الثراء والاختيار ومن ينظر إلى الرسم يبقى عند الاسم ويبتعد عن الحقيقة دون ان يحق امله ولكن من يجد الحقيقة يبتعد بناظريه عن كل ما هو مخلوق ويسرع بفناء الكل فى رؤية الكل ببقاء الكل . إذن من "لم يعرف سوى رسمه لم يسمع سوى اسمه" . فالفقير هو من ليس له شئ وليس فى إمكانه أن يفقد شيئاً ، وهو لا يصبح غنياً إذا حاز عرضا ، ولا فقيراً إذا لم يكن لديه شئ ، فالوجود والعدم سواء بالنسبة لفقره وقد اتفق على أنه يزداد سروراً حينما لا يكون لديه شئ، فقد قال الشيوخ : " كلما زاد فقر المرء كلما تكشفت أمامه الأحوال " .

ذلك أنه من سوء حظ الفقير أن تكون له ممتلكات فإذا أحتفظ بشيء لمنفعته الخاصة كان بمثابة من يأسر نفسه ، ويعيش أحباب الله من ألطافه الخفية وعطائه الإلهي ولا يحجبهم عرض الدنيا عن طريق الرضا بل عن طريق الدنيا الغادرة التى هى دار الفجار .

حكاية :

قابل أحد الدروايش ملكاً فقال له الملك : " ما حجتك ؟ " فأجابه الدرويش " أنا لا أطلب حاجة من أحد من عبيدى " فقال الملك " وكيف ذلك ؟ " فأجابه الدرويش لدى عبدان هما سيداك "ك الحرص وطول الأمل " .

وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أن الفقر عز لأهله(1) ، إذن فما هو عز لأهله هو ذلك لغير أهله ، وعزه فى أن الله قد حفظ جوارح الفقير من أن يقع فى الزلل وقلبه من الخلل فلا يتركب جسده معصية أو زلة ولا يعتور حاله خلل وآفة . ذلك لأن ظاهره مشغول فى التفكير فى آلاء الله ، وباطنه تحميه رحمته الخفية ، وبذلك يصبح جسمه روحانياً وقلبه ربانياً . وعندئذ تنفصم العلاقة بينه ]24[وبين البشر ولا يصير غنياً فى هذا العالم حتى ولو منح ملكه ولا فى العالم الآخر ولو منح ملكه ، بحيث لا يزن هذا العالم والعالم الآخر فى ميزان فقره أكثر من جناح بعوضة ولا يجتذبه هذا العالمان لمجرد لحظة من الزمن .  

فصل :

اختلف أئمة الصوفية أيهما أفضل : الفقر أم الغنى ، على اعتبار أنهما صفتان من صفات الإنسان إذ أن الغنى الحقيقى صفة من صفات الله الكامل فى كل صفاته ، ويرى يحيى بن معاذ الرازى وأحمد بن أبى الحوارى والحارث المحاسبى وأبو العباس بن عطاء ورويم وأبو الحسين بن سمعون أن الغنى أفضل من الفقر ويؤيدهم من المتأخرين الشيخ أبو سعيد فضل الله بن أبى الخير محمد الميهنى فيرى أن الغنى أفضل من الفقر . وحجتهم أن الغنى صفة من صفات الله ، بينما لا يمكن أن نعزو الفقر إليه سبحانه ولهذا فإن الصفة التى يشترك فيها الإنسان مع الله أفضل من تلك التى لا تنطبق على الله تعالى .

وأرى أن هذا اشتراك فى الاسم لا فى المعنى وليس له وجود فى الحقيقة إذ ان الاشتراك الحقيقى فى الأسماء يقتضى وجود تشابه فى المعنى ، ولكنا نرى أن الصفات الألهية أزلية والصفات الإنسانية مخلوقة ولهذا فإن برهانكم خاطئ .

وأرى – أنا على بن عثمان ، وفقنى الله بالخير – أن الغنى صفة يوصف بها الله وليس للإنسان حق فى الإتصاف بها ، بينما الفقر صفة يوصف بها الإنسان ولا يوصف بها الله . وقد يوصف الإنسان مجازاً بالغنى ولكنه فى الحقيقة ليس كذلك .

وهناك برهان آخر يوضح هذه النقطة وهو أن الغنى الإنسانى صفة ترجع للأسباب أما الغنى الألهى فلا يرجع لأى سبب لأن الله هو مسبب الأسباب . ولهذا فلا يوجد اشتراك بالنسبة لهذه الصفة وليس من المسموح أن تشبه شيئاً بالله لا فى حقيقته ولا فى صفته ولا فى اسمه .

]25[فإنى الله فى عدم حاجته إلى الغير وفى قدرته أن يفعل ما يريد فلا راد لقضائه ولا مانع لقدرته فهو قادر على الضدين . وهكذا كان دائماً وهكذا سيكون أبداً . اما غنى الإنسان فهو وسيلة من وسائل العيش أو من وسائل جلب السرور ، أو قد يكون سبيلا لعدم الوقوع فى المعصية أو التمتع بالمشاهدة وجميعها عارية للتغيير ومادة للطلب والتحسر وموضوع للعجز .

إذن فهذا الاسم مجاز للخلق ، وذلك لقوله تعالى :( يَا آيُّهاَ النَّاسُ أَنْتَم الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ (1)) وقال أيضاً (وَاللهُ الْغَنِىُّ وَأًَنْتُمُّ الْفُقَرَاءُ (2)) . 

وعلاوة على ذلك فإن بعض العوام يفضلون الغنى على الفقير قائلين أن الله يتفضل برحمته على الغنى فى الدنيا والآخرة ، وأنه تعالى قد منحه مزايا الغنى فى هذه الدار فإن معنى الغنى لديهم هو وفرة العرض الدنيوى والمتاع وإتباع الشهوات . وحجتهم أن الله قد أمرنا أن نشكره لنعمائه وان نصبر على الفقر . 

أى ان نصبر فى الضراء ونشكر فى السراء . ولهذا فإن السراء هى بالضرورة خير من الضراء . وعلى هذا أجيب قائلا : أنه عندما أمرنا أن نصبر فى الضراء جعل الصبر وسيلة لأن يقربنا لجنابه العلى ، قال تعالى ( لِئنْ شَكَرْتُمْ لازِيدَنُكمُ (1)) وقال (انَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرين(2) ) . فكل من يشكر على النعمة وهى فى الأصل غفلة فإنه يزداد غفلة على غفلة ، وكل من يصبر على الفقر – وأصله بلاء – يزداد قربا على قرب .  

أن العلماء الذين يفضلون الغنى ]26[على الفقر لا يستخدمون كلمة المعنى بمعناها العامى فهم لا يعنون بها جمع النعماء ولكن الاتصال بالمنعم ويقولون أن الاتحاد بالله شئ آخر غير الغفلة عن الله ، وقد قال الشيخ أبو سعيد رحمه الله "الفقر هو الغنى بالله" أى هو المكاشفة الدائمة للحق .

وأجيب على ذلك قائلا أن المكاشفة تقتضى وجود حجاب ولهذا فإن كان المتمتع بالمكاشفة محجوباً عن المكاشفة بصفة الغنى ، يكون إما فى حاجة إلى المكاشفة أو فى غير حاجة إليها ، فإذا لم يكن فى حاجة إلى المكاشفة كان الاستنتاج سخيفا ، وإذا كان فى حاجة إليها فإن الحاجة لا تتفق مع الغنى ، ولهذا فإن العبارة غير مقبولة وعلاوة على ذلك فليس لأى شخص غنى بالله إلا إذا كانت صفاته أبدية ومقصده ثابت غير متغير إذ لا يتفق الغنى مع وجود مقصد ولا مع الصفات البشرية إذ أن الصفات الأساسية للبشرية هى الحاجة والعجز وان من تظل صفاته قائمة ليس بغنى ، وأن من تنمحى صفاته غير خليق بأى أسم على الإطلاق .

ولهذا فإن " الرجل الغنى هو من أغناه الله ، لأن كلمة " الغنى بالله" تشير إلى الفاعل ، أما عبارة " من أغناه الله " فتشير إلى المفعول ، فالأول يغنى نفسه بنفسه ، أما الثانى فيغنى عن طريق من يغنيه وعليه فإن السعى من أجل العيش والثراء من صفات الإنسان ، أما العيش فيقتضى الغناء عن الصفات البشرية .

ولهذا فإنى – على بن عثمان الجلابى – أرى أنه ما دام قد ثبت أن الغنى الحقيقى لا يتفق مع بقاء صفة إذ أن بقاء الصفات محل علة بالدلائل المذكورة ومعرضة للزوال ، وأقول أن الغنى لا يتفق كذلك مع القضاء على الصفة ، لأنه لا يمكن تسمية الصفة التى أصبحت غير قائمة وأن من قضى على ماله من صفة لا يمكن اعتباره فقيراً أو غنياً ، ولهذا فإن صفة الغنى لا يمكن تحويلها عن الله إلى الغير ، كما لا يمكن تحويل صفة الفقر من الإنسان إلى الله . 

]27[أن أكثر أئمة الصوفية يفضلون الفقر على الغنى ذلك لأن القرآن والسنة قد أعلنا ذلك بوضوح وعلى هذا اتفق معظم المسلمين ومن بين الحكايات التى قرأتها أن هذا الموضوع قد نوقش مرة بين الجنيد وابن عطاء وكان ابن عطاء يفضل الغنى ، ويقول أن الأغنياء سيحاسبون يوم البعث عن غناهم ، وان مثل هذا الحساب يعنى أنهم سيستمعون إلى الكلمة الألهية دون وسيط على صورة عتاب والعتاب هو ما يوجهه الحبيب لحبيبه .

فأجابه الجنيد : " إذا كان سيحاسب الأغنياء فإنه سيعذر الفقراء والأعذار أفضل من الحساب " .

وهذه نقطة دقيقة ، ذلك أن العذر فى – مرتبة الحب الحقيقة – نوع من الغيرية ، وأن العتاب يتنافى مع الاتحاد . ويعتبر المحبون كلا الشيئين نقيصة ، ذلك لأن المرء يعتذر إذا هو عصى أمر محبوبه ويعذر لنفس السب وكلاهما مستحيل وجوده مع الحب الحقيقى ، إذ فيه لا يحتاج المحبوب إلى شرح من حبيبه ولا يقصر المحب فى تنفيذ إرادة من يحب .

وفى الجملة فإن الفقراء مطالبون بالصبر والأغنياء مطالبون بالشكر. وفى تحقيق المحبة لا يطلب محب من حبيبته شيئاً ولا يعصى محب أمراً لمحبه . وإذن فقد ظلم من سمى ابن آدم أميراً وقد سماه ربه فقيراً ، فكل من اسمه من قبل الحق فقير ، فهو فقير حتى ولو كان أميراً ، وقد هلك كل من يظن أنه ليس أسيراً حتى ولو جعل مقامه عرشاً وسريراً ومن هنا فالأغنياء أصحاب صدقة والفقراء أصحاب صدق ، ولا يتساوى الصدق مع الصدقة أبدا . وان ثروة سليمان وفقره متحدان فى أساسهما فقد قال الله لأيوب فى منتهى صبره ولسليمان فى أوج ثرائه ]28[" نِعْم الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(1) " فعندما يتحقق رضى الله يستوى فقر سليمان وغناه .

يقول المؤلف : سمعت أبا القاسم القشيرى رحمه الله يقول تحدث الناس كثيراً عن الفقر والغنى فضلوا هذا أو ذلك ، ولكنى أختار لنفسى ما يختاره الله لى ويجعلنى فيه . وإذا أرادنى فقيراً فيجب ألا أكون حريصاً أو متمرداً . 

ولهذا فإن كلا من الغنى والفقر منحة إلهية وفساد الغنى هو الغفلة ، وفساد الفقر هو الحرص . والغنى والفقر كلاهما خير ولكنهما يختلفان فى التطبيق . فالفقر هو إنفصال القلب عما سوى الله ، والغنى هو انشغال القلب بما لا يمكن تحديده ووصفه.

وعندما يخلو القلب من كل ما عدا الله ، لا يصبح الفقير خيراً من الغنى ولا الغنى خيراً من الفقر . أن الغنى هو وفرة المتاع الدنيوى والفقر نقصانه ، وكل المتاع ملك لله فعندما يودع السالك متاعه يختفى هذا التناقض وتستوى العبارتان .

فصل :

ولكل شيخ من شيوخ الصوفية رمز فى مدلول الفقر . وسأذكر هنا بعض ما قالوه ما يتسع له هذا الكتاب . يقول أحد المحدثين من الصوفية " ليس الفقير من خلا من الزاد إنما الفقير من خلا من المراد " . مثال ذلك ، إنه إذا أعطاه الله مالا وأراد أن يبقيه فهو غنى ، وإذا أراد أن يتركه فهو لا يقل غنى ، فكلاهما تصرف فى الملك والفقر هو ترك التصرف .

يقول يحي بن معاذ الرازى : " علامة الفقر خوف زوال الفقر(1) " يعنى أن من صحة   ]29[الفقر الحقيقى ألا يخشى الإنسان ذهاب الفقر عنه ، حتى وهو فى كمال الولاية وقيام المشاهدة وفناء الصفة . إذن فكماله ألا خاف من زواله ، ويقول رويم : " من نعت الفقير حفظ سره وصيانة نفسه وأداء فرائضه(2) " يعنى أن من صفات الفقير أن يكون سره مصونا عن الغرض ، وروحه وجسده من الآفات وأن يقوم بأداء ما فرضه دينه من واجبات . بمعنى ألا يحول تفكيره دون عمله أو العكس وهذه علامة على أنه قد ألقى عنه صفاته البشرية فيصير العبد بأجمعه لله .    

يقول بشر الحافى : " أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر "(3) أى أن خير مقام هو أن تنكون لك عقيدة ثابتة فى أن تتحمل الفقر باستمرار .

والفقر هو محو كل المقامات ، ولهذا فإن التصميم على تحمل الفقر علامة على اعتبارك كافة الأعمال والتصرفات غير كاملة ونزوعك إلى القضاء على كافة الصفات البشرية ويتضح من هذا القول أنه يعتبر الفقر أعلى مكانة من الغنى وأنه يصر على عدم التخلى عنه .  

ويقول الشبلى : " الفقير لا يستغنى بشيء دون الله" (1) أى أن الرجل الفقير لا يقنع بشئ خلاف الله ، إذ ليس له هدف آخر . والمعنى الحرفى هو أنك لا تصبح غنياً إلا بالله وإنك حين تصل إلى الله تصبح غنياً .

وعليه فإن وجودك غير وجود الله ذلك انه لا يمكنك أن تحصل على الغنى بدونه ، وحينما تجده يصير حجابا للغنى ، وحينما تحيد عن الطريق لا تجده . فمتى تكون غنيا؟ هذه الحكمة دقيقة وغامضة ومعناها فى رأى أهل الحقيقة هو " الفقير لا يستغنى عنه " أى أن الفقير هو من لا يستغنى أبداً عن الله ]30[وهذا هو ما عناه الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن على الأنصارى الهروى رضى الله عنه حين قال : " إن حزننا أبدى فلا همنا ترقى إلى تحقيق أهدافنا ، ولا كُلَّيتنا تفنى " فهو ليس بجنس تغفل الأغراض عن حديثه ، إذن تقع العراقيل دوماً ، والتقدم فى الطريق صعب وليس الدرويش بغافل وذلك الحبيب لمن تبدى ولا طريق له ووصاله ليس فى مقدور الخلق وليس فى الفناء تبدل فى الصورة ، وليس المتغير خليقا بالبقاء فلا الفانى يصير باقيا أبداً حتى يكون ثم وصال ، ولا يصير الباقى فانيا حتى يكون ثم قرب فكل شغل أحبائه تنميق كلام برمته ، واستحداث المقامات والمنازل فى الطريف راحة للأرواح فعباراتهم منهم لهم ، ومقاماتهم خليقة بهم والحق تعالى منزه عن أوصاف الخلق وأحوالهم .

يقول أبو الحسين النورى : " علامة الفقير السكون عند العدم والبذل عند الوجود(2) " . يعنى أنه عندما لا يحصل على ما يرغب يكون ساكنا وعندما يحصل على شئ يعتبر غيره أكثر استحقاقا لهذا الشئ منه ، ولهذا يتركه . وما يشير إليه هذا القول ذو أهمية بالغة ، ويمكن أن نستنتج منه معنين :-

1-    أن سكونه حينما لا يحصل على شئ رضى وبذله حينما يحصل على شئ محبة ، إذ أن كلمة "رضى" معناها قبول الخلعة ، وخلعة التشريع رمز للقلوب ، بينما يرفض المحب الخلعة إذا كانت رمزاً للفرق . 

2-    سكونه حينما لا يحصل على شئ هو توقع منه أن ينال شيئا ، وعندما يحصل على ذلك الشئ يجد أنه غير الله ، وهو لا يقنع بشئ غير الله فيرى تركه .

إن هذين المعنيين يظهران فى قول شيخ المشايخ ]31[أبى القاسم الجنيد : " الفقر خلو القلب عن الاشكال " أى عندما يخلو قلب من المظاهر يصبح فقيرا ، إذ أن وجود المظاهر غير وجود الله ، ولذلك كان نبذها هو الطريق الوحيد . ويقول الشبلى : " الفقر بحر البلاء وبلاؤه كله عز"(1) أى أن الفقر بحر المتاعب ، وكافة المتاعب التى تأتى من الله عز ، والعز جزء من " الغير " ومن امتحنهم الله يغمرون فى بحر من المتاعب ، ولا يعرفون العز إلا عندما ينسون متاعبهم وينظرون إلى مسببها . وعندئذ تتحول متاعبهم إلى عز ، وتتحول عزتهم إلى وقت ويتحول وقتهم إلى محبة وتتحول محبتهم إلى شهود وأخيراً يصبح عقل المشاهد مركزا للرؤية عن طريق خياله ، فيرى بغير عين ويسمع بغير أذن .

ومن ناحية أخرى فإن من عظمة الرجال أن يتحملوا الأعباء التى يحملها لهم محبوبهم ذلك أن المحبة هى فى الحقيقة عزة والرجاء ذلة ، والعزة ما يجعل المرء حاضرا مع الله والذلة هى ما يجعل المرء بعيدا عنه ، ومحنة الفقر دليل على الحضور أنا بهجة الغنى فهى علامة على الغيبة فالحاضر بالحق عزيز ، والغائب عن الحق ذليل ، فبلاؤه مشاهدة ودماره أنس فالتعلق بذلك غنيمة . ويقول الجنيد : " يا معشر الفقراء إنما تقرنون بالله ، وتكرمون بالله . فانظروا كيف تكونون مع الله إذا خلوتم به (2) " وبمعنى آخر إذا لقبكم الناس بالفقراء واعترفوا بدعواكم فاهتموا بأداء ما يفرضه عليكم طريق الفقر . وإذا أعطوكم اسماً آخر لا يتفق مع ما تعلنون فلا تقبلوه ولكن قوموا بأداء وظيفتكم ، فان أحط ]32[الناس من يعتبره الناس مخلصاً لله ، وهو ليس كذلك فى حقيقته ، وانبل الناس من لا يرى الناس فيه إخلاصاً لله وهو فى حقيقته مخلص له سبحانه . فالشخص الأول يشبه دعى الطب الذى شهر نفسه وادعى انه قادر على علاج الناس وهو فى الحقيقة يزيد حالتهم سوءا ، وعندما يصاب هو بالمرض يكون فى حاجة على طبيب آخر يصف له العلاج . أما الشخص الثانى فلا يعرف عنه أنه طبيب ولا يشغل نفسه بغيره ، ولكن يشغل نفسه بالأغذية والأشربة الزلال والفرحات المتقنة وألوان الهواء المعتدل حتى لا يمرض وقد غض الخلق كلهم عنه أطرافهم . 

ويقول أحد الصوفية المحدثين : " الفقر عدم بلا وجود "(3) وليس من الممكن تفسير هذا القول إذ أن مالا وجود له لا يمكن وصفه ، ويدل ظاهر هذا القول على أن الفقر عدم ، ولكن هذا غير صحيح إذ أن تفسيرات رجال الله وإجماعهم لا تقوم على مبدأ لا وجود له وليس المعنى هنا هو فناء الحقيقة بل فناء كل ما يلوث الحقيقة ، وكل الصفات البشرية مصدر لهذا التلوث . وعندما تتخلص من ذلك تكون النتيجة فناء الصفات التى تمنع المرء من وسيلة تحقيق بغيته . ولكن عدم وصوله للحقيقة قد يجعله يظن فى فناء   ]33[الحقيقة ، ويلقى به فى الضلال . وقد قابلت بعض المتكلمين الذين ضحكوا ساخرين من هذه الحكمة قائلين أنها محض هراء لأنهم لم يتمكنوا من فهم مضمونها . كما قابلت بعض المدعين للتصوف الذين حاولوا تفسيرها بصورة خاطئة متظاهرين باقتناعهم بصحتها على الرغم من أنهم لم يلموا بالأساس الذى تقوم عليه . إن كلا الجانبين خاطئ ، ذلك أن أحدها ينكر الحقيقة عن جهل والأخر يجعل الجهل حالا ، أن كلمتى "عدم" و "فناء" كما يستخدمهما الصوفية تعنيان اختفاء الوسيلة المذمومة والصفة غير الحميدة عند محاولة البحث عن صفة جيدة ، وهما لا يعنيان البحث عن شئ غير قائم بوسيلة قائمة .  

إن الفقر إلى الله هو بكل معانيه فقر مجازى وهناك مظهر أساسي بين كافة مظاهره الثانوية ، عن الأسرار الإلهية تأتى وتذهب للفقير بحيث يظهر أنه هو الذى يكسب ويعمل ويفكر ولكن عندما تتحرر شئونه من قيود الكسب تصبح أعماله منقطعة عن نفسه . وعندئذ يصبح هو الطريق السالك بمعنى أن يصبح الفقير المكان الذى يسير عليه، لا سالكا يتبع إرادته ومشيئته هو ، فهو لا يجلب لنفسه شيئا ولا يدفع عنها أى شئ .

إن كل ما يؤثر عليه راجع إلى من هو سواه .

لقد قابلت بعض مدعى الصوفية من أرباب اللسان الذين دفعهم إدراكهم الخاطئ لهذا الموضوع أن ينكروا وجود حقيقة الفقر ، بينما وجد أن عدم رغبتهم فى حقيقة الفقر جعلهم ينكرون حقيقته . أنهم سموا إخفائهم فى البحث عن الحق والحقيقة "فقراً" و "صفاء" ويبدو أنهم كانوا يؤكدون أوهامهم هذه وينكرون ما سواها . إن كل واحد منهم كان محجوباً عن الفقر إلى حد ما ، ذلك أن غرور الصوفية يدفع إلى إدعاء كمال ]34[الولاية ويصبح الهدف الأسمى هو أن يصفهم الناس بالمتصوفين ، ظانين أن هذا من كمال الولاية ، وهذا هو غاية الغايات ، وليس على السالك إلا أن يسلك طريق التصوف ، وأن يرتقى من مرتبة لمرتبة ويدرك تعبيراتهم الرمزية حتى لا يصبح من العوام بين المختارين . عن عوام الأصول ليست لهم أرض يقفون عليها أما من يجهلون الفروع فلهم من الأصول ما يدعم مكانتهم .

أنى أقول هذا لأشجعك ان تقوم بهذه السياحة الروحية وتشغل نفسك بالالتزام بمقتضياتها.

وفى باب التصوف سأقوم بشرح بعض الأصول والإشارات والتعبيرات الصوفية لهذه الطائفة ، ثم سأقوم بعد ذلك بذكر حياة بعض كبار المتصوفين ثم أوضح بعد ذلك مختلف المبادئ التى يؤمن بها شيوخ التصوف ، وبعد ذلك أتحدث عن حقائق التصوف وعلومه وقوانينه ، وأخيراً سأتحدث عن آداب السلوك وأهمية مراتبه حتى تتضح حقيقة هذا الموضوع لك ولكل القارئين .

 

 


(1)     البقرة / 273

(2)     النحل / 75

(3)     السجدة / 16

(4)   ورد الحديث فى كتاب بستان العارفين لأبى الليث السمرقندى عن انس وله تكملة هى : " قيل ولم ذلك يا رسول الله قال : لأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفاً " ( ص 131 ) .

(5)     يعنى بهم أهل الصفة .

(6)     الأنعام / 52

(1)     الحديث الشريف : ( الفقر أزين على المؤمن من العذار الحسن على خد الفرس) .

أخرجه الطيرانى عن شداد بن أوس وعن سعيد بن مسعود (الفقر شين عند الناس وزين عند الله يوم القيامة ) – أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس عن أنس .

جامع – شرح 2 / 154 – 155 .

(1)     فاطر / 15

(2)     محمد / 38

(1)     إبراهيم / 7

(2)     البقرة / 153

 (1) سورة ص / 30 ، 44

(1)     كلمى يحي بن معاذ وردت فى الرسالة القشيرية ص 161 .

(2)     هذا القول ذكره القشيرى – الرسالة ص 160

(3)   أنظر طبقات الصوفية للسلمى ص47 " الفقراء ثلاثة : فقير لا يسأل وإن أعطى لا يأخذ فذاك من الروحانيين ، إذا سأل الله أعطاه وغن أقسم على الله أبر قسمه . وفقير لا يسأل وأن أعطى قبل فذاك من أوسط القوم ، عقده التوكل والسكون إلى الله تعالى ، وهو ممن توضع له الموائد فى حظيرة القدس . وفقير اعتقد الصبر وموافقة الفقر ، فإذا طرقته الحاجة خرج إلى عباد الله بالسؤال ، فكفارة مسالته صدقة فى سؤاله " والكلمة بنصها مسندة فى الرسالى إلى بشر الحافى أيضاً .  أنظر الرسالة الشيرية ص161 ، بولاق سنة 1284هـ

(1)     قول الشبلىورد فى الرسالة القشيرية ص 162

(2)     انظر القشيرى ص 62

(1)     هذا القول نسبه صاحب اللمع إلى الجنيد – انظر السراج الطوسى : اللمع ص 221 .

(2)     انظر الرسالة القشيرية ص 165

(3)     اسند القشيرى ما يشبه هذا القول إلى النورى " : حقيقة الفقر ألا يستغنى إلا بالله ورسمه عدم الأسباب كلها " الرسالة ص160.

أما الكلاباذى فقد نسبه إلى أبى محمد رويم " الفقر عدم كل موجود وترك كل مفقود " التعرف ص 95.

Read 229 times Last modified on 04 آب/أغسطس 2013
أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

Website: www.abouelazayem.com