أ.د /  احمد جمال ماضى ابو العزايم

أ.د / احمد جمال ماضى ابو العزايم

مستشفى دار ابو العزايم للطب النفسى وعلاج الادمان بالقطامية - ت :

 

27272701-27272702-27272703-27272704

 

الطريق الدائرى - امام كارفور المعادى - خلف نادى الصيد الجديد - محطة سنترال ال 70 فدان

 

 

 ) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ )انزله من سماء الرفعة وحيا نورانيا يشع بنوره العلى على مدى الأزمان ويتجدد بحكمه وأسراره ما بقى في الوجود إنسان سعدت منه الأرواح الطاهرة والنفوس الزكية والقلوب الواعية الرضية بمكنون العلم ومضنونه فارتقت به إلى أوجه الكمال وطاولت به الأرض السماء فأشرقت الأرض بنور ربها بما وضعه فيها من ميزان المثال .

ذلك هو القرآن العربي الذي انزل على النبي الهاشمي فيه تبيان لكل شيء هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون وقع بهم العلم على الحقائق العالية التي أتى بها هذا الكتاب المبين وانكشفت به ما بهذا الكون من أسرار وما أنتجته العقول المتزكية بهديه من علوم وأنوار , اهتدوا بها إلى صراط الله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد , وهذه آية الإسراء العجيبة والمعراج الغريبة هل للعلم فيها من مجال ؟ وهل للسان البحث فيها من مقال ؟ يؤيد صريح ما جاءت به الآية وينفى الشك والريب الذي أثاره أهل الغواية ومن أنزله قرآنا عربياً أن في ذلك لآية وألف آية . فلقد ابتدأ سبحانه آية الإسراء الكريمة بالتسبيح والتنزيه كما يرشف من خلالها أهل محبته سبحانه حكماً صريحاً لا تلويحا على صدق هذه المعجزة الكريمة والآية العظيمة ونسبة الإسراء إليه سبحانه فيها من العجب العجاب الذي لم يكاشف به إلا أولو الألباب وإلا فالعقل أمام هذا الحادث ليذهل لبعد الشقة ما بين السماء والأرض ولكن استميح العقل عذراً فأهمس إليه بيان وجيز كيف أن الضوء الذي هو أشاع كوني جرم غازي ملتهب يسير بسرعة عجيبة إذ أنه يقطع مسافة مقدار محيط الكرة الأرضية سبع مرات في الثانية الواحدة مع ما يعوقه في سير من ذرات منتشرة في الفضاء ومن سير في طبقات من غازات مختلفة تقلل وتكثر من سرعته فالقادر الحكيم سبحانه الذي سير هذا الضوء بهذا القدر من السرعة في هذه المسافة الشاسعة والتي يحار فيها العقل ولا يمكنه ان ينكرها للبراهين العلمية التي يؤديها والنظريات الحسابية والهندسية التي أنتجها البحث العلمي وأيدها الواقع المحسوس كيف ينكر آية الإسراء والمعراج بذات خلقها الله من نوره وأطلعها على خفي مقدوره ولله در إمام العارفين مولانا السيد أبو العزائم قدس الله سره وحيث قال

فذاتك النور نالت من لطافتها

                               ما دونه وقفت ذات الملائكة

قد يقولون أن هيكلاً إنسانيا خلق من التراب الكثيف فكيف يكون نورا وأنت إذ رددت الفرع إلى أصله لوجدت أن عنصر المادة وهو غازي صرف ولا غرابة في أن يكون الغاز الذي هو الأصل من هذا الوجود إشعاعا نورانياً تخلق منه هذا الموجود الذي اصطفاه الله لنفسه وخلق من اجله الكون الواحد الأحد المعبود خصوصاً وقد نسب الإسراء إليه واختصه بان وصفه بأحب الأوصاف لديه في قوله ( عبده ) وهى أرقى مراتب المخلوقات وأعلى مكانة للمصطفين الأخيار من عباده من دونها جميع المقامات والرسالات والنبوات ولقد يلذ للقارئ أن يعلم كيف انه سبحانه وتعالى أفرده في هذا المقال بهاء النسبة الفردية ولم ينسبه إليه سبحانه بنون الكثرة أو العظمة الصمدانية حيث قال في غيره سبحانه ( عبدا من عبادنا ) إما للتعظيم والإجلال وإما لاستغراق ذلك العبد في مكانة الكثرة الصادرة عن وحدة الأفعال رمزا هو من خفي المضنون ومعنى يضن به عن كل ذائق غير مفتون ذلك لكي يثبته في مقام التفريد محبوبا لديه موحد المقصود ليست به حاجة والى كثرة المظاهر الربانية والمشاهد الروحية لاستغراقه صلى الله عليه وسلم في الواحد الأحد المعبود جل جلاله .

 

وقد تأخذنا الحيرة والدهشة في نسبة الإسراء إليه صلى الله عليه وسلم بالروح والجسد وهذه الكواكب السيارة المنبثة في هذا القضاء إليهم الذي لا نهاية له بل ولا حصر لعددها تسبح فيه كل واحدة منها في دائرة انتظامية على غير عمد نراها بحث لا يختلف دوران كل فلك عن دورته الخاصة به في افقه الخاص به قيد شعره في حركة سريعة جدا صنع الله الذي أتقن كل شيء فإذا كانت هذه الأفلاك تسير في الأفق بهذه السرعة بتدبير القدرة الإلهية فما بالك يا عقل تذهل أمام معجزة الإسراء وتأبى في تصديقها إلا أن تكون بالروح وهذه الروح التي ليست بمقيدة لو أطلقت من سجنها بعد تدبيره في روحة منامية قد تسبح إلى ارقي مراتب الوجود وأقصى منازل الحدود وتأتى إليك بما قد يصدقه العقل ومالا ينكرها الحس ومالك أيها العقل لا تصدق هذا المعراج العلى بالروح والجسد وقد أثبته سبحانه لعبده والعبد مثنوى التركيب من روح وجسد طاهرين مطهرين زكت عناصر جسده الشريف ورقت حتى صار نورانياً لا تحجبه الأشياء ولا يحتجب بالأشياء عن مشيئتها سبحانه وناهيك عن هذا القسم في صدق ما اخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله سبحانه  ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فاستوي * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)

 

يقسم سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة وهو إذ يقسم لا يسأل عما يقسم به فالمقصود بهذا القسم هو سريان القدرة في عالم الماديات والمعنويات على السواء فكأنه سبحانه يقول : أقسم بقدرتي التي أهويت بها النجم من أفق وسيرت بها الأفلاك في تلك الدورة الانتظامية في هذه المجموعة الشمسية وغيرها أن حبيبي محمداً حين أسريت به لأريه عجائب قدرتي وغرائب حكمتي ثم أصبح يخبركم أيها الملأ بما رأى وسمع لم يكن ضالا كلا ولا غاويا وإنما اختصصته بهذه المزية ليتحقق له رؤية ذاتي العلية التي لا يحدها مكان ولا زمان والتي هي  حظوة ليست أمنية لكل إنسان فأنا القادر على كل ذلك الخلق من سموات وارض أسير الأفلاك في ذلك الفضاء اللانهائي وأهوى بالنجم من أفق إلى أفق فهل اعجز عن الإسراء والمعراج كلما تقدم الزمن وخط العلم خطواته الموفقة يتحقق للعقل صحتها فها هو الإنسان قد حرك المادة من مكان إلى مكان في اقل من لمح البصر وذلك بواسطة تفريغ الهواء كما أمكنه أن يرى صورة مكملة وهو بعيد عنه أميالا بواسطة ( التليفزيون ) فهل يعجز الخالق العليم عن الإسراء بالحبيب فكر أيها الإنسان وتدبر في آيات القوى المتعال تنكشف لك عجائب الإسراء ..

 

 

 

 

 

وإعجاز القرآن في حقائق التكوين مجموعة في آية هي موضوع اليوم لما فيها من الدقائق التي وصل إليها العلم الحديث بعد طول البحث والكد , تلك المعجزة الكبرى حول هذه الآية (( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23 )) وأنى للعقل الانسانى أن يكذب بآلاء ربه ومبدعه وهو الذي ألهمه ففسر غور المادة بما أودعه الله فيه من قوى مدركه وما ألهمه الله من قوى مشرقة على حقائق تكوين الوجود اللهم أنا نشهدك اننا لا نكذب بشيء من آلائك وقد أعجزت الأرواح العالية بما في كتابك الكريم من مضنون والنفوس الزكية بما انبلج لها فيه من مكنون والعقول التي أهلتها للبحث في آياتك من سر مصون بينته لنا في قولك سبحانك ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق ) وهل تدرى أيها القارئ الكريم ما ترمى إليه هذه الآية الكريمة من بحوث علمية وصل إليها جباهذة هذا العلم فقد افتتح سبحانه الآية الكريمة بقوله ( مرج البحرين يلتقيان ) والمرج هو اختلاط تيارين شديدين بعضهما بالآخر حتى يتصور للإنسان انه ليس ثمة اختلاط كما أشارت الآية إلى ذلك (( $yJåks]÷t/ӈy—öt/žwÈb$u‹Éóö7tƒÇËÉÈ  )) والبحرين المبغيان بهذه الآية الكريمة هما المذكوران في آية أخرى " وما يستوي البحران هذا عذب وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها " فالبحر الأول هو النهر العذب الذي يحمل معه إما طمياً كنهر النيل أو عناصر أخرى مذابة بنسبة ضئيلة مما تذيبه الأمطار من قمم الجبال التي تنزل عليها وهذه أما تكون صافية أو ملونة بعض الشيء بمقدار ما تحمل من عناصر , لك الله كيف أن الآية الكريمة التي يقول الله سبحانه وتعالى فيها ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ) , كيف انه لم يذكر مثلاً النيل السعيد في هذه الآية ولكنه ذكر الفرات الذي يوجد عند مصبه بكثرة أشجار المرجان واللؤلؤ الذي اغني أهل مسقط والبحرين ذلك لان الفرات أنما يحمل معه ذلك العنصر التي يتكون منه اللؤلؤ والمرجان وهو عنصر كربونات الكلسيوم .

 

 

والبحر الثاني وهو الملح الأجاج يحمل أملاحا مذابة كملح الطعام وأملاح البوتاسيوم وغيرها وثمة فرق كبير بين البحرين وما يحملان من عناصر متخلفة وتيارات كهربائية موجبة في الأول وسالبة في الثاني مصداقاً لقوله سبحانه ( وما يستوي البحران ) .وعند مرج هذين البحرين احدهما بالآخر تتعادل الشرارات الكهربائية التي يحملها كل من النهر العذب والبحر الملح وهنالك تتسرب في قاع البحر الملح ما يحمله النهر إن كان طمياً أو اى عنصر آخر ومن الأمثلة التي تقرب هذه الحقيقة ما يستعمله أهل الريق من الطرق لترويق الماء بإضافة جزء من الشبة إلى الماء العكر فلا يلبث أن ترسب كل المواد المعكرة إلى قاع الجرة فيصير بذلك الماء صافياً كذلك ترسب المواد التي يحملها النهر الفرات كأملاح كربونات الكلسيوم تترسب هذه الأملاح عند مجمع البحرين بفعل التعادل الكهربائي ثم يعود في الأحوال المناسبة تحت ضغط كبير وتأثير غاز ثاني أكسيد الكربون وإنك إذا تصورت مقدار الضغط الذي به  يقذف البحر أمواجه إلى النهر عند مصب نهر الفرات ومقدار الضغط الذي يقذف به هذا النهر ماءه إلى ذلك البحر العنيد مصداقاً لقوله ( بينهما برزخ لا يبغيان ) لعلمت مقدار ذلك الضغط الذي يذوب بموجبه هذا الملح كما يقول العلماء

فإذا فهمنا معنى كلمة مرج وهو الاختلاط الشديد أمكثنا أن نتصور مقدار هذا الضغط الحاصل من هذين التيارين ولم يقل سبحانه مزج إذا المزج يحصل بهدوء ودعه وليس بتدافع وتطاحن كما يرى الإنسان ذلك أمام رأس البر بدمياط وأمام يلتقي البحرين برشيد فإن تيار هذين البحرين يواصل سفري في البحر مسير مسافة عشر أو خمسة عشر كيلو متراً تقريباً فسبحان القوى المتين وسبحان المدبر والمعين وسبحان الذي قال في كتابه المبين (  ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ثم أن الحق سبحانه وتعالى قال بعد أن ذكر المرج وبين التعادل الكهربائي يقول سبحانه ( بينهما برزخ لا يبغيان ) عاد فذكر كيفية تكوين اللؤلؤ والمرجان بهذا التعادل فقال سبحانه ( يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) وقال أيضا في الآية الكريمة الأخرى ( ومن كل تأكلون لحماً طيراً وتستخرجون حلية تلبسونها ) فانظر إلى اثر الإبداع في هذه الآية وكيف أنها كشفت الستار للعقول الجبارة التي بحثت وكدت في محبط هذا الكون وما فيه من ظلام فبددت هذه الظلمات للبحث العلمي الدقيق , ذلك لأنه بعد أن يذوب ذلك الملح في مياه البحر في الآونة الملائمة يمتصه حيوان صغير يسمى البوليبوس ويفرزه مرة أخرى معجوناً بمادة دهنية تسمى الجيلاتين ويترسب ذلك الإفراز على شكل أصابع في عرض البحر ومن كثرة ذلك الإفراز تتكون جزائر المرجان فالمرجان في حقيقته مأوى يبنيه لنفسه الحيوان المسمى البوليبوس في عرض البحر فشروط تكوين المرجان هي أن يجتمع في النهر والبحر خاصية تكوينه وهى أن يوجد في النهر أملاح كربونات الكلسيوم المذابة وان يوجد في البحر حيوانات المرجان وذلك مصداقاً لقوله سبحانه ( يخرج منه اللؤلؤ والمرجان )  وقوله تعالى ( ومن كل تأكلون لحماً طرياً وتستخرجون حلية تلبسونها ) فينص القرآن على أن هذه الحلية تستخرج من كل من البحرين عند اجتماع شروط التكوين فيترسب عند ملتقى البحرين .

وقد اكتشفت حديثا في جنوب إفريقيا عند مصب احد الأنهر هناك مساحة كبيرة من اللؤلؤ عند مصب ذلك النهر ترسب ذلك اللؤلؤ بمرور آلاف السنين عند ملتقى البحرين تحقيقاً للنظرية العلمية الحديثة ولو استغل ذلك اللؤلؤ لخفض كثيراً من سر اللؤلؤ والمرجان في أحسن وضع وفى أبهى كلام جاءها لتكون معجزة له في القرن العشرين

فانظر معي إلى ذلك الينبوع الفياض وكم فيه من آيات بينات هن أم الكتاب هو إلا ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين

 

 

 

قال تعالى ( أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ )

مهما تطاول العلم وجد في أبحاثه ومهما كد العلماء أذهانهم وقرائحهم وجدوا في تطبيق نظرياتهم العلمية بالتجارب العملية  والاكتشافات الآلية والأشعة الكاشفة لباطن المادة وغيرها فإن هذا القرآن الكريم أمره عجيب في كشف هذه الدقائق العلمية وهذه الأبحاث القيمة في التكوين وفى تحليل عناصر الجسم الانسانى بما يزيد الإنسان إيقانا بأنه تنزيل من حكيم حميد .

أمامك أيها القارئ الكريم آية جامعة بينت تطور الإنسان منذ أن كان نطفة إلى أن صار أنسانا كائناً حياً ثم إثباتا لحقيقة البحث بالأمر الواقع في تكوين الإنسان ونموه إبان هذه الحياة الأمر الذي يبحث فيه فرع من فروع علم وظائف الأعضاء هو علم الميتابوليزم وهو علم تحويل الأغنية من مادة بسيطة بعد الهضم إلى مواد في جسم الكائن الحي كما انه يبحث في كيفية احتراقها في ذلك الجسم وفناؤها تارة أخرى فالجسم الانسانى في توازن مضطرد بين قوى الإفراز وقوى التمثيل في جميع أنحاء هذا الهيكل الانسانى ظاهراً وباطناً ومثل الجسم في هذا التوازن كمثل حوض مسلط عليه صنبور في أعلاه وبالوعة في أسفله بحيث أن ما يصبه الصنبور يوازى قيمة ما تفرغه البالوعة , فترى الحوض تحسبه جامداً والحال انه من بين لحظة وأخرى يتغير ما يرد عليه ويأتي له الصنبور بماء آخر ذلك التوازن ليس كذلك عند الأطفال والناقهين من المرض فان التعادل يزداد في نسبة الدخل عن الخارج ذلك لينمو الجسم فى حالة الطفولة وليستيض مافقده من المرض فإذا تعادل هذا التوازن دل ذلك على صحة جيدة .

 

ذلك المثل هو عين ما يحصل للكائن الحي فالجسم الحي كأي آلة يحتاج إلى حرارة الحياة ويحصل على هذه الحرارة بواسطة احتراق المواد الروتينية والمواد الدهنية والمواد السكرية التي تقذفها الأعضاء إلى أنون الاحتراق وهو الكبد وفى الوقت نفسه يبنى الكائن الحي جسمه بواسطة ترسيب المواد الأولية التي تمتص من القناة الهضمية في مختلف الأعضاء .

 

فالإنسان إبان حياته يتغذى بمواد ميتة لا حياة فيها فلا تلبث تلك المواد ان تكون هذا الكائن الحي ولكن سرعان ما يقذفها الإفراز إلى خارج ذلك الجسم ميتة كما كانت ألا ترى ذلك موضحاً في قوله (  يُخْرِجُ الْحَيَّمِنَ الْمَيِّتِوَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ)فالموت وهو اندثار خلايا الجسم قدره الله سبحانه وتعالى كل حين على الإنسان في هذه الحياة فهذه جلودنا لا بل وأجزاء الجسم الداخلية تتبدل وتفنى مابين آونة وأخرى مصداقاً لقوله تعالى ( نحن قدرنا بينكم الموت ) فالتقدير هنا وان كان خاصاً بحالة الموت الأخيرة إذ اننا أمام إثبات هذه المعجزة للقرآن بالتحدث عن عجانب العلم وما وصل إليه يجوز لنا أن نقول انه عام لما يحصل من التغيير والتبديل في أجزاء هذا الجسم كما أسلفنا القول آنفا وتفسيرا للقرآن بما أورده في الآية ( ويخرج الميت من الحي ) تجاه هذه المسألة المتكررة في هذه الحياة وهى الموت عن طريق تغيير هذه الخلايا واستبدالها بأخرى ترى القرآن قد ألمع إلى ذلك في الآية التالية وهى قوله سبحانه ( وما نحن بمسبوقين على ان نبذل أمثالكم ) جاء في تفسير النيسابورى على أن نبدل اى نحن قادرون على ذلك لا يغلبنا عليه احد يقال سبقته على الشيء إذا أعجزته عنه وغلبته عليه والأمثال جمع المثل اى على أن نبدل مكانكم أشباهكم من الخلق وهذا التفسير بعينه يطابق ما نرمى إليه من تحدث القرآن الكريم عن العلوم المستحدثة التي أثبتها البحث العلمي الدقيق فالإنسان في هذه الحياة في تبديل مستمر ذلك التبديل له فائدته الكبرى في بناء ما تهدم من جسم الإنسان وما مات منه إثناء النمو فعناصر الجسم ليست ثابتة فيه بل بعد مدة من الزمن تتحلل هذه العناصر ويحل محلها غيرها مصداقاً لقوله ( وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم ) اى نحن قادرون على تبديل هذه الأجسام إبان الحياة مرات عدة لنشعركم أيها المكذبون بالبعث اننا قادرون على بعثكم بعد موتكم الموتة الكبرى فهل بعد هذا البرهان على تبديل الأجسام عدة مرات أثناء الحياة الذي أثبته العلم الحديث والذي ذكره القرآن من قبل ذلك وبينه تنكرون أيها الغافلون البعث والنشور حقا ( قتل الإنسان ما أكفره ) ذكره سبحانه ( من اى شىء خلقه ) ثم بين ذلك فقال ( من نطفة خلق فقدره ) ثم هداه السبيل في هذه الحياة وبين له إعجازه في خلقه إذ فتح للغفل بحوثاُ مهما تطاولت إلى السماء فقد أتى بها القرآن نوراً ساطعاً للناظرين وحكمة عالية للذائقين وحجة قوية للموقنين فبين للإنسان النشأة الأولى حق التبيين ليذكر الإنسان ويصدق بالنشأة الثانية قال تعالى ( ولقم علمتم النشأة الأولى فلو لا تذكرون )

فجمل القول أن جسم الإنسان في تجديد مستمر في هذه الحياة قال تعالى ( بل هم في لبس من خلق جديد ) هذا التجديد هو بعينه الإنشاء فيما لا علم لنا به مصداقاً لقوله تعالى ( وننشئكم فيما لا تعلمون ) اى أن هذا الإنشاء في هذه الدورة من الحياة المتصلة حلقاتها بعضها ببعض يكون في صور عدة وأجسام مختلفة تتبدل من آونة لأخرى فسبحان الله رب العالمين وتبارك الله أحسن الخالقين

 

 

 

 

 

 

 

قال تعالى  (( والطور وكتاب مسطور , فى رق منشور   ))    

إذا كان لكل حرف من حروف القرآن ظهر وباطن ولكل حد مطلع فإن لكل آية منه معان عدة تتفق مع تطور العلم لا بل وتسبقه في مجاراة الظواهر الكونية والاستنباطات العلمية ولها في كل قسم من الأقسام التي اقسم بها سبحانه في كتابه العزيز مغزى يطابق روح ما أقسم به سبحانه بل وفى الوقت نفسه بينهما للعقل ظاهرة للعيان معها يتجدد العلم ومهما تتطور العقول والافهام .

ذلك هو الإعجاز الحقيقي من هذا الكتاب المبين الذي ما فرط فيه من شيء سبحانه وتعالى ها هي آية واحدة أعجزت العقلاء والفصحاء والحكماء قوله سبحانه وتعالى (( والطور وكتاب مسطور , فى رق منشور  ))    أجمع أكثر المفسرين على أن الطور هو الجبل أقسم به سبحانه لتجليه فيه موسى وما أجمل ما أتى به الصوفية من التأويل في هذا المقام حيث قالوا أن الطور هو جماع الهيكل الانسانى وكم يطابق هذا التأويل لما نحن بصدده من ناحية تركيب الجسم فإن الطور هو الموقع الذي تجله منه سبحانه لموسى بالنسبة لغيره من يقع الجبال وهو كالعقل البشرى لسائر أعضاء الجسم الانسانى وكم قارب البحث العلمي الآلي مشاهد الصوفية الذي أوقعهم تألههم في ذات الله تعالى على حقائق شاهدتها أبصارهم وبصائرهم وإن لم يشهدها غيرهم ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) فلقد قال سيدي أبو العزائم قدس الله سره مشبهاً الطور بالجسم  :

على قدري ظهرت فدك طوري    فكيف إذا ظهرت بلا ستور

وكنت قبيل جمعي بعد علمي        أراني سابحاً في نور نور

( وكتاب مسطور )ذلك الكتاب المسطور هو صحيفة أعمال الإنسان مسطرة في هيكله الجسماني وذلك الكتاب هو الذي يحاسب الإنسان عليه يوم أن تخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً هنالك يناديه ربه من عليائه قائلاً له ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) فذلك الكتاب مسطر على صفحة ذلك الجسم الانسانى قال سيدي أبو العزائم :

سطرت آي إليها في هيكلي      حكمة القادر معنى أولى

اى صفحة نعنى بذلك ؟ إنما نعنى صفحة الجهاز العصبي الذي أودع الله فيه قوة الحافظة والمعرفة والمذاكرة والخلق مصداقاً لقوله تعالى (( ’Îû5e-u‘9‘qà±Y¨BÇÌÈ))   فالرق هو جلد رقيق يكتب عليه كجلد الماعز وبعض الحيوان كانت الأمم السالفة تستعمله للكتابة , وهل تعنى الآية الشريفة ذلك الجلد , كلا فإن قوله سبحانه (( ’Îû5e-u‘9‘qà±Y¨BÇÌÈ))   آية من آيات القرآن باهرة في تكوين الجهاز العصبي للإنسان .

يبتدئ  تكوين الجهاز العصبي في الجنين بأن تنخفض في خط طولي غشاءه الخارجي المسمى ( اكتودرم ) ويعمق ذلك الانخفاض كلما ابتدأ ذلك الجنين في النمو وأخيرا تلتحم شفتيه ويتكون تحت الغشاء الجلدي أنبوبة طويلة من الرأس إلى مؤخر الجسم , تلك الأنبوبة تتخلق فيما بعد وتكون الجهاز العصبي فالجزء القريب من الرأس يكون المخ والجزء الباقي من الأنبوبة يكون النخاع الشوكى , من ذلك يتبين لنا أن الجهاز العصبي جلدي الأصل , وذلك يطابق قوله سبحانه (( ’Îû5e-u‘9‘qà±Y¨B (( ÇÌÈ   اى أن ذلك الكتاب منتشر في رق وهو الجهاز العصبي للإنسان .

 

أودع سبحانه جل من قادر تلك القوة الحافزة الذاكرة في ذلك الجهاز وسطر عليها أعمال ذلك الإنسان فكانت كتاباً منشوراً يقوم الإنسان بعمل ما قدر له مما انتسخه الحفظة من أم الكتاب ثم يحاسب عليه أن خيراً فخير وان شراً فشر .

وإنما يعاقب الإنسان على اختيار الهوى وأتباعه دون الانقياد إلى نورانية عقله ويثاب على ما وافق عمله الإرادة المحبوبة للحق سبحانه من حسن طاعة وعمل تعبدي هو الضراعة له سبحانه قال تعالى($tBuràMø)n=yz£`Ågø:$#}§RM}$#uržwÎ)Èbr߉ç7÷èu‹Ï9ÇÎÏÈ   !$tB߉ƒÍ‘é&Nåk÷]ÏB`ÏiB5-ø—Íh‘!$tBur߉ƒÍ‘é&br&ÈbqßJÏèôÜãƒÇÎÐÈ   ¨bÎ)©!$#uqèdä-#¨—§9$#rèŒÍo§qà)ø9$#ßûüÏGyJø9$# ( ÇÎÑÈولقد ظلت آراء المادين ردحاً من الزمن حجاباً كثيفاً دون تعرف ماهية الروح ومالها من قدر عظيم فى هذه الوجود ذلك القدر الذي أشار إليه تعالى في قوله( štRqè=t«ó¡o„urÇ`tãÇyr”9$#(È@è%ßyr”9$#ô`ÏB̍øBr&’În1u‘!$tBurOçFÏ?ré&z`ÏiBÉOù=Ïèø9$#žwÎ)WxŠÎ=s% )حتى أسفر البحث فيها عن حقائق أولية جاء به الدين لذلك أحببت أن أورد هنا نبذة من أبحاثهم فيها قال العلامة آرثر فندلاى رئيس المعهد الدولي للبحث الروحي بلندن  إن المعرفة التي أمكن الحصول عليها من طريق هذا العلم الروحي الجديد قد ثبتت ووطدت الحقائق العظمى العامة التي ينادى بها الدين والفلسفة , وقد اهتدينا في بحوثنا إلى عقل يدير كل شيء يشكل الكون ويصوره والى منهاج عظيم هائل يقصر عنه إداراك اى فرد في هذا العالم وتقصر عنه مدارك الغالبية في العالم التالي لقد وجدنا اننا كما نزرع هنا سنحصد هناك فيما بعد , وأننا في هذه الحياة نصوغ لأنفسنا حياتنا المقبلة ولو أن الحياة باقية لا تنعدم وان الذاكرة والشخصية والخلق هي أنفسنا الحقيقية وان لا تندثر عند الموت وإنما الذي يندثر هو غطاؤها المادي

مساكين هؤلاء القوم فمن قال لهم باندثار الجسم الانسانى وكل عناصره إنما تتحلل إلى أصولها  لا يغيب منها شيء وإنما الموت هو مفارقة الروح للجسم فترة من الزمن والبعث والنشور أن يعيد هذا الجسم الانسانى إلى ماكان عليه .

فعلى ذلك يكون ذلك الكتاب منشوراً أبان الحياة مطوياً حال الممات ثم يعود نشره مرة أخرى يوم القيامة وانتشاره إبان الحياة إنما يكون في الجهاز العصبي للإنسان وعند الممات لا يندثر ذلك الكتاب وإنما الذي يندثر هو غطاؤه المادي ويوم القيامة ينشر مرة أخرى شاهداً على ذلك الإنسان كما أشار الذي القرآن الكريم في غير آية ... وكما قلنا أن لكل قسم من الأقسام التي اقسم بها سبحانه في كتابه العزيز مغزى يطابق روح ما أقسم به ترى في ذلك القسم انه سبحانه يقسم بمركز الإدراك والإحساس في هذا الهيكل الانسانى فان هذا القسم مبنى على حقيقة العذاب يوم القيامة فكان لزاما أن يبين سبحانه في هذا الهيكل الانسانى مراكز الاداراك والإحساس فيه وأجملها فجعلها كتاباً مسطورا من رق منشور هو ما أردنا أن نبينه من غوامض هذه الآية وصدق الحق سبحانه وهب العقل نوراً به تكشفت حقائق المادة وما وراء المادة وعند أحبابه بإظهار آياته للعالم اجمع على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( وقل الحمد لله سير بكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون )

 

 

 

((تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا))

لا ريب في أن موجودات هذا الكون إنما بعثها الله صوراً و أمثالا من كلامه تعالى لتسبح في أنواره وتطفو على وهج ضياءه قال تعالى ﴿إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئًا أن يقولَ لَهُ كُنْ فَيَكون﴾.

ثم لتتبخر في هذا الغطاء المادي إلى عالم التجليات والشهود وسبحات الروح والملكوت قال سيدي أبو العزائم قدس الله سره  .

وكانت ظلالي حاجبات عن البها    فأصبح ظلي في الهبا المنضود

 

وكما فلق سبحانه هذه الموجودات من ظلمة العدم وأخرجها إلى نور الوجود فأنه سيفلق ظلمة المادة ويخرج بها إلى بركة النور وابهاء الحقيقة وكما أنها حملت من ظلمات الماهيات إلى هذا العالم الحسي وجرت معها من ظلامها أوساخا تنخبط بها في عالم الشهود وما تلك الأوساخ إلا الذنوب والمعاصي التي يجب بلطف الله أن نخلص منها إلى روحه وريحانه ومن غلبت عليه شقوته وقع في المحنة (( ومن كان في هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى )) حفظنا الله من الوقوع في المعاصي وعلنا من الذين تاب عليهم ليتوبوا إليه فالتسبيح يكون بوجهين بالقول أو بدلالة الحال على التوحيد والإنسان يسبحه سبحانه بالقول والعمل والطيور مع اننا لا نعلم نظفها إلا أنها تنطق مصداقاً لقوله تعالى ( علمنا منطق الطير والحيوان على الإطلاق يسبحه سبحانه وبقدسه والجماد وهو موضوع بحثنا اليوم في تسبيح مستمر قال تعالى ( يا جبال أوبي معه ) ذلك التسبيح فقد أثبته العلم الحديث إثباتا لا يدع المجادل بابا ينفذ به إلى داخل ذلك الحصن المنيع .

 

تتكون المادة من مجموعة من الذرات هذه الذرات في حركة مستمرة ويوجد في جسم المادة ( كقطعة من الحديد مثلاُ ) نوى منتثر هنا وهناك حواليه تدور هذه الذرات في حركة مستمرة وأما إذا كانت هذه المادة سائل مثلاُ فالسائل يكون مكون من ذرات تسبح فيه وليس هناك نوى كما فى العناصر الصلبة والغاز أيضا يكون مكون من هذه الذرات ومما تقدم ترى أن المادة على الإطلاق رغم أنها ترى للعين المجردة ثابتة لا حركة فيها ولكن بالفحص الدقيق بالمجهر يمكنك أن ترى بوضوح أن المادة مكونة من ذرات وان هذه الذرات في حركة دائمة .

 

هذه الذرات لها حجم صغير للغاية مما يهىء للإنسان أن ليس لها وزن وقد تمكن العلماء من وزن الذرة وأيدوا القرآن فيما أشار إليه حيث قال : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) فالذرة في جسم المادة في حركة دائمة تسير في خط مستقيم حتى تصطدم بذرة أخرى هنا لك تؤثر في هذه وتلك بدورها تؤثر في التي بجوارها وهكذا فإذا وقع على المادة تأثير خارجي انتشر ذلك التأثير داخل المادة إلى أطرافها ومن هنا أمكن تذليل المادة في اختراع المسرة والراديو فالمادة تتأثر بما يقع حولها من مؤثرات فلا يحدث في هذا العالم حادث إلا وتنطبع صورته فيما يجاوره من الأجسام ولا يقع ظل على حائط دون أن يترك أثرا فيه يمكن إظهاره بالوسائل الصناعية وكل غرفة تظن أنها محجوبة عن العيوب فيها آثار كل ما حصل فيها ولو من مئات السنين بل كل حجر وشجر ومدر توجه عليه رسوم ما حصل حوله من خير أو شر فكل حركة وكل فكرة تصدر من الناس ترسم على ما حولهم فكان هناك صوراً لطيفة لا حد لها ثابتة على جميع الأشياء لا تزول بمرور الدهور والقرون قال الدكتور جون وليم مولير في كتاب ( سر تقدم أوروبا ) ويمكنني أن أصرح بأن صدى العبارات التي قالها الواحد منا يمكن أن تسمع بعد مرور الأيام العديدة على موته ويبقى بعده عظة لمن بعده فكل حركة من حركاتنا وعمل من أعمالنا يترك حتماً أثراُ لا تمحوه الأيام ويمحوه سبحانه إذا تفضل بالعفو عن عبده فيما أساء قال صلوات الله عليه (( إذا أحب الله عبداً انسي الحفظة لذنوبه , وأنسى ذلك جوارحه ومعالمه من الأرض حتى يلقى الله وليس علبه شاهد بذنب ))

 

فحركة المادة المستمرة هي المسجل لما يقع حولها من تسبيح هذه الكائنات جميعاً فهذا الإنسان يسبح ربه في السر والعلن وهذه جميع المخلوقات في تسبيح مستمر وهذا الجماد بدوره يسجل تسبيح المخلوقات حتى يتم تسبيح السموات والأرض ومن فيهن للحق موجود الموجودات فلا يبق شيء في هذا العالم إلا يسبح له سبحانه وبقدسه تعالى الله عما يصفون , وللصوفية رضي الله عنهم مشاهد حقه في هذا التسبيح قد يستمعون إليه بإذن الروح قال سيدي أبو العزائم رضي الله عنه :

نغمات تسبيح الكيان مدامى        يصغى لها قلبي بطيب هيامي

 

وقد تنكشف لهم بهذا الإصغاء الروح حقائق تكاد تكون مائلة أمامهم كالعيان

هنا لك يستمعون لهذا التسبيح فيذوبون ولها له سبحانه وتنطلق ألسنتهم بدر من الحكم الفوال , هذا هو إمام المحقين سيدي أبو العزايم يقول :

تسبحك الأحجار والرمل والحصى     بألسنة فصحى ليسمع واحد

وتسبيحها علناً بقول محقق             وليس بحال أن رأى ذاك معبد

 

ولما كانت العين المجردة والأذن المقيدة ليسا بقادرين على ان يفقها ذلك التسبيح أشار بذلك سبحانه حيث قال (( ولكن لا تفقهون تسبيحهم ))

 

أذلوا فقهوا تسبيحهم لشغلتهم العبرة عن الوقوع في الآثام ولشغلهم سماع ذكر الله تعالى طوال الأعوام ولما كان هناك مجالاً للشك أو الريب في البعث أو النشور ولما أنكر احد وجود الواحد الأحد سبحانه ولذلك فان اله سبحانه وتعالى رحمة بخلقه الذين لم تقوا آذان قلوبهم على سماع هذه التسابيح التي لم يكلفهم الإصغاء إليها قال في سياق الآية (( انه كان حليماً )) لا يهمه إنكار المنكرين لتسبيحها (( غفوراً )) لما آمن بتسبيح هذه الكائنات وذلك مطابق تمام المطابقة للحديث الشرف الذي ذكرته آنفاً فى قوله صلوات الله عليه(( إذا أحب الله عبداً انسني الحفظة ذنوبه )) أسبل الله علينا ستر وغفر لنا ذنوبنا ما تعمدناه وما لم تتعمده وجعلنا ممن قال فيهم (( أولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ))

 

 

 

 ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب إليه من حبل الوريد , إذ يتلقى الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد , ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )

 

( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان )فكيف لا يعلم ما توسوس به نفسه وهو الذي ركب فيه الميزان العقل المدبر لشئون البرية في هذه الأكوان فما أسعد المؤمن بإيمانه وما أشقى الكافر بنكرانه هذا صدق رسل ربه بما جاءوا به من عنده وذلك كذب بالنبوات وما جاءت به الآيات وما أودع الله فيها من بينات وحجج وبراهين وأدلة قاطعة للمتفكرين .

 

والإنسان منذ بدء الخليقة يدين لخالقه بصنعته فيه ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ) فهو إذاً أعلم بظاهره وخافيه , لا يغيب عنه بشيء مها حرص الإنسان أن يخفيه عن ربه وباريه من أعمال قد أحصاها الله عليه وأقوالا قد دونها بكلتا يديه

 

سبحانك اللهم كيف يجحدك الجاحدون وكيف يكفر بك المبطلون اللهم إن هذا لقدر محتوم لا محيص عنه لمن أشقيته وعناية سبقت لحسناك لمن اصطفيته لا جدل فيها ولا جدال تسعد من تشاء بسابق عنايتك وتذل من تشاء بتجنب الصراط السوي والنهج القوى الذي من تمسك به فاز بنجواه فسمع لذيذ خطابة ( يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا انتم تحزنون ) الم تر إلى هذه الآية الكريمة قد كشفت لنا الستار في بيان موجز بديع عن أسرار في الخلق مكنونة وحقائق في نفس الإنسان رفع عنها الستار سبحانه بأدلة محسوسة ملموسة واثبت البعث والنشور ظاهراً للعيان يكاد يلمسها الإنسان وكيف لا وقد حاجج الرحمن هذا الإنسان الذي خلقه وصوره وأبدعه على غيره مثال سبق بهذا الخلق وهذه الصنعة البديعة حيث قال ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) ثم عطف على ذلك فقال ( ونحن اقرب إليه من حبل الوريد ) تدرى ما حبل الوريد ولم خص ذلك الحبل بالقرب وانه سبحانه اقرب إلى الإنسان من هذا الحبل ذلك لان حبل الوريد هو وريد يكنف العنق ويتفرع من المخ وقبل خروجه من فراغ الرأس تكونه أوردة صغيرة تأتى من مادة المخ ومن سطحه ثم تجتمع هذه وتلك ويكونان وريدان احدهما يتجه يمنه والآخر يتجه يسره ثم يخرجان من فراغ الرأس إلى العنق ومما تقدم يستدل على قرب هذا الوريد من القوة المفكرة والمدبرة إذ انه يتفرع من المخ تصديقاً للآية الشريفة فالآية تدل على الإفراط في القرب لان الوريد جزء من بدن الإنسان فسبحانه يريد أن علمه ينفذ في بواطن الأشياء نفوذ الدم في العروق وهذه الآية الكريمة تعد من اكبر المخصصات في علم الطب ذلك لأنها تحدثت عن طريقة تغذية المخ من هذا الوريد ولم يكن بين هؤلاء العرب الذي نزل القرآن فيما بينهم إثارة من علم التشريح لا ولا علم وظائف الأعضاء فهي بذلك تعد معجزة من اكبر المعجزات في الحكمة العملية , هذا الوريد الذي يتفرع من المخ بعد تغذيته تلك التغذية التي لو انقطعت عنه ثانية واحدة لحصل للإنسان هذه السكتة المخية التي تبتدئ بالدوخان وإذا طالت المدة تؤدى إلى الموت المحقق لذلك أبدع سبحانه في نظام تغذية المخ إبداعا اسما إبداع فجعل الأوعية التي تغذيه متصلة بعضها ببعض بحيث إذا انقطع الدم من احدهما فاض عليه المجاور له ومن محكم صنعته أن جعل اتجاه الأوعية الصغيرة مضاد لاتجاه تيار الدم يجرى في الوعاء التي تصب فيه حتى لا يفرغ هذا الوعاء من الدم وحتى لا يسرع جريان الدم في الأوعية الصغيرة فأراد سبحانه أن يشير إلى وجوب قرب الدم في كل وقت من الأوقات إلى مادة المخ فضرب مثلاُ بقربه وعلمه بسريرة الإنسان من قرب ذلك الدم الموجود في حبل الوريد من مادة المخ

 

ولقد تكلمنا في مقال سابق عن قوله تعالى ( والطور وكتاب مسطور ,في رق منشور ) وبينا ذلك الكتاب المسطور وقلنا انه شعاع نورى وضعه الله في ذلك الهيكل الانسانى وسطر عليه أعماله كلها ذلك الإشعاع النوراني هو الذاكرة والقوة المدبرة في ذلك الهيكل الانسانى , ولقد قال ابن عباس والضحالك في تفسير قوله ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) قال السائق من الملائكة  والشهيد شاهد عليه من نفسه ولا أخال ذلك الشهيد إلا ذاكرة الإنسان ففي هذه الذاكرة تدون أعماله فهي السفير من الحق سبحانه إلى ذلك الإنسان تسطر كل ما ينطق به الإنسان وكل ما يحس به وكل ما يعمله , فالسمع والبصر والحس هي أبوابها قال تعالى ( أيحسب أن لم يره احد , ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين ) وقضى المخ هما مكانهما تنطبع الإحساسات الخارجية وما يسمعه الإنسان بل وما ينطق به في هذين القوتين وكل ما يهم أن يعمله أو توسوسه نفسه به مطبوع فيها مسطر عليها فلا جدل إن قلنا أن هاتين القوتين هما اللذان يشهدان على الإنسان يوم تخشع الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا هما يوم يناديه سبحانه ( اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) فهذه الآية تدل دلالة واضحة على أن الإنسان يسطر كتابه بنفسه تسطره الذاكرة التي تنتشر في فصي المخ مصداقاً لقوله ( إذ يلتقي الملتقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ) والتقى هذا بواسطة أعصاب الحس التي تنقل ما يلفظ الإنسان من قول إلى فصي  المخ وهنالك بنطبع ذلك القول في الذاكرة ولطالما نسى الإنسان أشياء عدة فلا يلبث أن يحصل حدث بسيط يذكره بما فات فكيف به أمام الحق وقد جاءت الملائكة يقول :  يا ليتنى قدمت لحياتي  فكم في هذا الذكر الحكيم من آيات بينات فتق الله بها رتق هذا الكون وما فيه من أسرار أذهلت عقول العلماء وحيرت أفئدة الألباب الذين خصهم سبحانه بقسط وافر في هذا الكتاب المبين بالمدح والثناء قال تعالى ( إن فى ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) وقال تعالى (  إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب ) فأتلى للعلم والعلماء أن يجاوره في الكشف والاستنباط وهو الذي تحدث عن علوم كانت عند الأولين معروفة كما تحدث عن إبداع في نواحي هذه الحياة كشف عن بعضها الغطاء ولما تنكشف بعد من هذه الأسرار إلا القليل

 

 

 

 

قال تعالى (( إذا يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليظهركم به ويهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام )) 

 

ما أجل نعمتك اللهم علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أكرمته به صلوات الله عليه من هذت الذكر الحكيم الذي خصصته به وجعلته جامعاً لنعم الوجود ظاهرها وخافيها عاليها ودانيها وكيف لا و أنت لقد بينت سبحانك في كل آية منه حكماً عربيا استبان لأهل العرفان سره وأظهرت به من مكنون العلم خبره لا بل وفى كل حرف منه سر من الأسرار لو انكشف لثمل العالم من لذة الشهود بالسعادة في حياتين كل موجود .

 

كان الصحابة إبان غزوة بدر بعد هذا الجهد الجهيد في السفر في رمضان صيفاً قد أعياهم التعب وأمضهم النصب وقد فقدوا ما أملوه من استخلاص العين التي كانت طلبتهم ومقصدهم الذي خرجوا من أجله

 

والتعب في كل الحالات هو شعور وهبه الله للإنسان يلجئه للراحة وذلك التعب هو نتيجة تجمع مواد سامه في الجسم أو فقدان مواد نافعة به هذه المواد السامة وتلك المواد المفقودة لها تأثيرها إما على القلب مباشرة أو على الجهاز العصبي الذي بدوره يؤثر على القلب وعلى سائر الأعضاء

 

تصور معي أيها القارئ حالة قوم غشيهم التعب والظمأ وأخذ الحزن من قلوبهم مأخذه ومع هذا هم أمام عدو جارح كثير العدد والعدد وهم قليلو العدد والعدد فوسوس الشيطان في قلوبهم ما جعلهم ييأسون من مقابلة العدو ولما كان الحق سبحانه وتعالى قد وعدهم على لسان حبيبه و مصطفاه إحدى الطائفتين أنها لهم فقد هيأهم سبحانه لهذا الوعي الالهى الذي لا محيص عنه بعد ما ألم من ذلك اليأس

(1)         فغشاهم النعاس

(2)    ثم أنزل عليهم سبحانه من سحائب الرحمة هذا لرذاذ من المطر حيث قال ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به )

 

هذين السببين كانا كفيلين أن يجعلا من هؤلاء العرب الضعفاء اسودا يذودون عن دين الله بعدنا قذف في قلوبهم الإيمان وأيدهم بنصر منه ولهذين العاملين نتائج ذكرتها الآية الكريمة وهى :

 

الطهارة المائية وفائدتها الطبية :

 

جعل الدين الاسلامى الطهارة المائية أساسا لجميع العبادات فالصلاة لا تصح إلا بها والطب الحديث يؤيد الإسلام وما جاءنا به من هذه الناحية من الطهارة المائية كل التأييد فالطهارة بالماء تنعش الجسم وتزيل ما ألم به من أداران وما تعلق به من جراثيم الجو وما يتنفذه العرق من المواد السامة من داخل الجسم كل هذه الأشياء بينها حديث واحد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم ( أفرأيتم إذا كان على باب أحدكم نهراً فهو يغتسل منه خمس مرات في اليوم أيكون عليه قذى قالوا بلى يا رسول الله قال فذلكم الوضوء ) وحسبك أن تعلم لهذه الطهارة المائية أثرها في تنبيه الغدد الهامة بالجسم والتي تتحكم في سائر أعضائه  فننشطها بعد الخمول .

 

هذا الخمول الذي يعترى الإنسان بعد الإجهاد الشديد والذي يتنسب عنه النوم في غالب الأحيان والذي قد يسترسل فيه ما لم يجد منشط قد يؤدى إلى مالا تحمد عقباه من ضعف في المجموع العصبي وهذا بدوره يفوت على النفس كثيراً من الآمال الحلوة التي لا ينالها في هذه الحياة إلا بالجهاد فيها والعمل لها وكم جر الترف والكسل والخمول على الإنسان من وساوس الشيطان من النعاس في حمية الرذيلة وبعد عن الفصيلة حتى انه ليصورها للإنسان أنها بعيدة المنال لا تقوى عليها الرجال فهذا الرذاذ  الذي انزله الله على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم يوم بدر بعد أن غشاهم النعاس كان عاملا لطهارتهم مأدبا بالنشاط ومعنوياً بالعمل لنيل الأمل

 

القلب إبان الخمول والنشاط :

 

والقلب في الحالات العادية موضوع داخل كيس يسمى ( شغاف القلب ) هذا الشغاف في حالته الطبيعية الوضعية ينتهي في حده آلاء إلى مادون الحنجرة بقيراط تقريباً وفى حالة التمدد الحاصل من التعب أو الفزع يكاد يلتصق أسفل جزء من الحنجرة وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم بقوله سبحانه ( وبلغت القلوب الحناجر ) انظر إلى الإبداع في هذه الآية وكيف أنها حوت كثيراً من العلم مصاغاً في ثلاثة كلمات فالآية تفيد أن القلوب في حالة الفزع تتمدد فيكبر حجمها حتى أنها تبلغ الحناجر .

 

والنوم بدوره يعيد الحالة الطبيعية للجسم به يستجمع الإنسان للمواد النافعة له ويستنفذ بالنفس البطيء والعرق الحاصل من الدفء للجسم عند النوم هذه المواد السامة فهو كما أشارات الآية إلا سلامة لهذه الأجسام التي أضناها التعب والصب والأسف على فقدان الأمل .

 

هذه هي أجسام الصحابة بما فيها القلوب تعبة ضجرة فغشاهم سبحانه بنعمته وبفضله وهو النوم فما لبثت تلك القلوب وهذه الأجسام أن ارتاحت واطمأنت فاطمئنان القلوب وراحتها يؤدى إلى رجوعها إلى حالتها الطبيعية في الصدر والى صغر حجمها وعلى الأخص بعد ما نال الصحابة رذاذ من الغيث الذي نشطهم ونبه أجسامهم وفى ذلك تشير الآية الكريمة ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ) والربط على القلوب يؤدى إلى نقصان حجمها وهو رجوعها إلى وضعها الطبيعي في الصدر وفى ذلك ما فيه من استجمام القوى واستجماع النشاط فيها لما يعقب ذلك من متاجرة العدو والضرب عليه , هذا الاستجمام في القلب الذي ينتج عن صغره دليل قاطع على أن صغر القلب لا يحتاج إلى الكثير من العناصر الغذائية اللازمة له وذلك يعكس حالته في حالة التضخم فإنه يحتاج إلى كثرة هذه العناصر فإذا لم يجدها في الدم امتصها من عناصر الجسم الأخرى وفى ذلك ما فيه من إجهاد له ولهذه العناصر وفى الوقت نفسه يبذل القلب جهوداً طائلة ربما أدت به إلى اضمحلال الجسم فالربط على القلب معناه أن هذا القلب كان في حالة تمدد غير طبيعية ناتجة عن إجهاد جسماني ونفسي معاً فأزال الله هذه الغمة عنه بما غشي هذا الجسم من النعاس أولا وما أعقب ذلك من النشاط بإنزال الغيث الذي أشرحت له الصدور فأمت فاعتدلت ضربات القلب برجوعه إلى حالته الطبيعية بالنشاط الحاصل له من تقلصه إلى وضعه الطبيعي في الجسم بعد زوال المؤتمرات التي جعلته تتمدد أولا

 

وطبيعي أن القلب وهو السلطان المهيمن على الجسم متى صلح صلحت بالتالي جميع أعضاء الجسم وذلك مصداقاً للحديث الشريف ( إلا أن في الجسم لمضغة إذا صلحت صلح الجسم كله , وإذا أفسدت فسد الجسم كله إلا وهى القلب ) وعلى ذلك تكون استقامة ضربات القلب ونشاطه وقوته الحاصلة له من وراء هذين العاملين اكبر دليل على تثبيت الأقدام تأييدها بالنصرة في ميادين القتال لإعلاء كلمة الله وهذا ما تعنيه الآية ( والله أعلم )

 

 

 

فلما فصل طالوت بالجنود قال أن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم ما يزال إعجاز القرآن العلمي بطلع على العالم من حين إلى حين وما تزال مبادئه السامية تدهش عقول العلماء وتحير الباب المفكرين وهذا مبدأ آخر من مبادئ ذلك اللوح المحفوظ بل وآية علمية ساطعة من آيات هذا الكتاب المكنون التي لا تحصى بل التي قد تحكمت في ينبوع العلوم في تتدفق إلا من بين أناملها 

 

ذلك هو الفرقان قد أتى بين سجله الضخم بآية من آياته ليبين للملأ على يد الرسل ما يجب أن يتخذوه لتدبير شئونهم وللسهر على صحتهم هؤلاء هم جند طالوت صار بهم قائداً بل ومصلحاً لشئونهم الأخلاقية والعلمية ليبين لهم الغث في هذه الحياة من الثمين منها أرسله الله مذكراً لهم ليقود فيهم نار التذكرة والتدبير ليسعد ذلك القوم بنور العلم وينالهم قبساً من نوره الوضاء

 

فقد كان طالوت حكيماً كما كان قائداً مظفراً وهبه الله بسطة من العلم كما وهبه قوة في الجسم قال تعالى ( إن الله اصطفه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله واسع عليم ) ولما كان لطالوت بسطة في العلم فقد عمل بذلك العلم الذي وهبه الله إبان حياته .

 

ها هو يخبر جنوده أن الله تعالى مبتليهم بقهر بعد ما أخذ التعب والظمأ منهم كالمأخذ , ولكنه وقف فيهم محذراً ألا يشرب أحد منكم من ذلك النهر ثم رجه إليهم وطيب خاطرهم وسمح لهم بالشرب من ذلك ولكن ألا يتعدى ما يشربه الواحد منهم غرفة يد .

 

وعندما أتى الجند على النهر منهم من عمل بأمر طالوت فلم يشرب أو اغترف غرفة بيده والكثير منهم خالف أمره فشرب حتى ارتوى وما لبث أن وقع مغشياً عليه دليل قوله تعالى ( فلما جاوزه والذين آمنوا معه ) اى انه لم يجاوز النهر إلا من آمن من الجند , انظر معي أيها القارئ مدققاً في ذلك الابتلاء هذه هي القدرة الآلهية أرادت أن تبين من صدق إيمانه بطالوت ممن هو كافر ابتلاهم سبحانه بذلك النهر بعد ما أخذ التعب والعطش منهم كالمأخذ وأمرهم بالصبر فمنهم من صبر فنجا ومنهم من عصى فهلك قال تعالى ( ولنبلونكم حتى نعلم الصابرين منكم والمجاهدين ونبلو خياركم ) أما سبب هلاك من شرب فتلك حكمة علمية عالية هي التي كشف القرآن عنها من آلاف السنين وسنها لك فيما يلي :

ينضج الجسم أثناء التعب كمية كبيرة من الماء هو ما يسمى بالعرق ويحوى ذلك العرف مقداراُ كبيراًُ من أملاح الطعام , فإذا استمر الجسم في العرق لمدة طويلة فقد مقداراً كبيراً من الماء وبذلك يفقد كثيراً من أملاح الطعام ولهذه الأملاح أهمية كبرى في الجسم وتبقى بنسبة ثابتة في الدم حتى ولو فقد الإنسان الكثير منها أثناء العرق أما إذا قلت نسبا كعندما يشرب الإنسان الكثير من الماء بعد عطش طويل هنالك يحصل الخاطر فقد تخفيف الدم تبتدأ بالأملاح الموجود في العضلات والأجهزة الحساسة من الذهاب إلى الدم وبذلك تفقد عنصراً من أهم العناصر الحيوية فيها فإذا كان مقدار فقد الأجهزة للأملاح كبيراًُ أصبحت غير قادرة على أداء وظيفتها بل وتبدأ فى الانقباض فعند انقباض عضلات الحنجرة يضيق الممر المؤدى إلى الرئتين وذلك بسبب الاختناق ويحصل ذلك في الحياة العملية كثيراً فقديماً كان العمال المشتغلين في المناجم في أوروبا يفقدون كثيراً من العرق لان جو المناجم حار لبعدها عن سطح الأرض ولشدة الأعمال التي يؤدونها وكان هؤلاء العمال بعد الخلاص من العمل يصعدون إلى الأرض وهنا لك يتناولون بلهفة المياه الباردة في ذلك الجو البارد ويطفئون عطسهم بذلك الماء البارد فلا يلبس أحدهم أن يقع على الأرض مغشياً عليه .

 

استمر الحال على ذلك حتى ابتدأ أحد الأساتذة المشتغلين بعلم وظائف الأعضاء يدرس ذلك الخطر المهدد هؤلاء العمال وأخيرا علم سبب موتهم فنصح لهم بعدم شرب الماء مطلقاً بعد الانتهاء من العمل وان أرادوا شرب الماء فعليهم أن يشربوه لمقدار غرفة يد أو يشربونه ومعه بعض الأملاح هنالك ذهب الخطر من هؤلاء العمال وأصبحوا في مأمن من ذلك الموت المفاجئ ويحصل مثل ذلك الموت المفاجئ عند بعض العمال المشتغلين أمام محركات القطار أو السفن هؤلاء يتعرضون لحرارة الماكينة فيفقدون عرقاً كثيراً فمنهم من يشرب الماء بكثرة بعد الانتهاء من عمله فيصاب بتلك الأعراض المفاجئة

 

بل ويصاب كل من تعب تعباً شديداً في حرارة عالية كمثل جنود طالوت المعصاة الذين لم يكونوا على مقدار كبير من الإيمان فأراد الله أن يبلوهم ويظهر ما تسكنه صدورهم ما ابتلاهم بذلك النهر فشربوا منه فظهر ضعف إيمانهم فأهلكهم سبحانه ولم يبق مع طالوت إلا من آمنوا بنصحه فنجوا من ذلك الموت المحقق ونصرهم الله على أعدائهم كل القصر وأعلى مقامهم وعلمهم ما لم يكونوا يعلمون .

 

هذه حقيقة علمية ظلت مختفية طوال الدهور جاء بها القرآن الكريم حجة ناصعة استغنى منها العلم فأبرز هذا الاحتياط العظيم من خطر موت مفاجئ الذي تعرض له المخالفون من جند طالوت والكثيرون من أهل الأعمال الشاقة وهو ما تحذر منه إخواننا الصائمين من طبقة الصناع من تناول الماء بكثرة عب الصيام الطويل والعمل المجهد الكبير ولقد استن رسول الله صلى الله عليه وسلم الإفطار على ثمرات لهذا الغرض نفسه فعلى الصائم الذي أمضه العطش أن لا يفطر إلا على ثمرة أو ثمرتين يحتمي بعدها جرعة من الماء حتى يتعرض إلى مثل ما تعرض له جند طالوت على أن القرآن الشريف لم يتعرض إلى بيان الحكمة من ذلك ليعلمنا الإيمان الذي هو تصديق بالغيب وفى هذا ما فيه للنفوس الجامحة من إلا نقيد من أمر الله تعالى العليم بخير البشر وشرهم فالمؤمن الذي صدق الله وصدق رسله بالغيب إنما يدلل بهذا الإيمان على تزكية نفسه وطهارة قلبه وانطباع حسه على الطاعة لله ولرسوله ولما جاء في كتبه المنزلة هذا الانطباع وهذه الطاعة هي التي يجبر على تلقيها الجند حتى تنطبع نفوسهم على الأجمل منها لا يسألون عن حكمها أولا تكشف لهم حكمها إلا عندما يلقون العدو فإن حركة التفاف واحدة بما قرنوا عليه طوال السنين قد تؤدى إلى هزيمة العدو المحققة ولذلك فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم الإيمان ثم يعلمهم القرآن , والإيمان هو تصديق الرسول فيما جاءنا من عند ربه مما خفيت حكمته أو ظهر نوره وسيان عندهم شهود الحكمة أو عدهم شهودها لان خير الصادق قام عندهم مقام الصالح الخاص لهم في حياتهم ومجتمعاتهم ثم ياتى القرآن بعد ذلك فتثلج لهم قلوبهم وتنشرح لهم صدورهم ويحل عليهم محل الفيض الأقدس على القابل الأنفس جعلنا الله ممن آمنوا بالله ورسوله على حقيقة الإيمان لسواطع أنوار الإحسان حتى لا نعبده سبحانه لعلة ولا لغرض ويكون الحق بذلك معالم بين أعيننا والله الموفق

 

 

 

 

 

 

( والعلماء ذات الرجع , والأرض ذات الصدع , انه لقول فصل , وما هو بالهزل )قرآن كريم جمع فأوحى من آيات بينات وحكم عاليات تجلت لمن بحث فيها وتدبر في معانيها واستمع لتلك الآيات وهذه الحكم بأذن الفكرة حتى يستبين الحق جليا للأنظار لا ينكره إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر حيث قد كان الحق ظاهرا أمامه واضحا برهانه ولكنه تولى عنه وابتعد منه فهو سقيم الفكرة ضال العقيدة .

 

وهذه السنة المطهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المأثورة في أحاديثه الصحيحة التي هي بيان في الحقيقة للقرآن الكريم انظر إليها الأخرى تجدها مفعمة بأسرار الحكمة وغوالى العلم وكيف لا وهو صلوات الله عليه أتى بدين القطرة الذي يوافق كل عليم ولا ينكره العقل قال تعالى (( فطرة الله التي فطر الناس عليها )) وقال صلوات الله عليه في تميز الأحاديث الصحيحة الواردة عنه من الغث الدخيل فيها (( إذا سمعتم الحديث عنى تعرفه قلوبكم وتلين له إشعاركم وابشاركم وقرون انه منكم قريب فأنا أولاكم به وإذا سمعتم الحديث عنى تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وابشاركم وترون انه بغيث منكم فأنا أبعدكم منه ))

 

اى شيء يبقى لطالب الحق بعد هذا البيان واى شيء في القرآن الكريم في نظرياته العلمية وفى أحكامه السنية وفى منطقياته العلمية قد يختلف فيها اثنان قال تعالى (( قل لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً )) والآن لنتحدث إليك عن آيتين احدهما عبرة لأولى الأبصار والأخرى تنبيك عن مقدار عذاب النار وكلتاهما آيتان في علم التشريح الحديث قال تعالى في الأولى (( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم  أن في ذلك لآيات للعالمين)) هذه الآية التي جمعت من جلي بيان الحق في هذا الكون الفسيح ما أذهل العقول وجعلها في الحقيقة أي عبرة وتبصرة وأذكار ولقد آتينا فيما سبق على
آيات خلق السموات والأرض في مقال الستة أيام واختلاف الألسنة أيضا من الآيات الدالات على عجيب قدرته وغريب حكمته وسنفصل هذا البحث إن شاء الله عما قريب أما اختلاف الألوان وهو محل بحثنا الآن فعليه مدار البحث في مقالنا هذا .

 

هذه الآية الكريمة وان كانت موجودة إلا أن وصول الله صلى الله عليه وسلم فصل مجملها وبين مبهمها في حديثه الشريف صلوات الله عليه وسلم عن سيدنا أبى موسى الاشعرى رضي الله عنه أن رسول الله صلوات الله عليه قال (( أن الله خلق آدم من قبضة قبضتها من جميع الأرض فجاء بنوا آدم على قدر الأرض جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب )) انظر كيف جاء العلم  الحديث في مجموعة مؤيدا لما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف واليك البيان

 

يتكون جلد الإنسان من طبقات من خلايا تنشأ من تكاثر طبقة سفلى وخلايا هذه الطبقة تنقسم إلى قسمين قسم يكون الطبقة النشيطة والآخر يكون طبقة من طبقات الجلد وبتكاثر الطبقات الناتجة يسمك الجلد وفى النهاية يعلى ويحل محله طبقات اهرى ويكثر في الطبقات السفلى في الجلد مادة ملونة فتارة تكون حمراء وأخرى بيضاء أو سوداء تلك المواد هي التي تكسب الإنسان لونه الخاص به ولقد توسم الحديث في هذه الناحية فقال (( إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض )) , تلك القبضة بها المركبات ذات الألوان المختلفة منها الأبيض والأحمر والأسود وغيرها من الألوان الأخرى فجاء بنو آدم على حسب الألوان المختلفة ثم قضت الإرادة الإلهية على أن توزع هذه الألوان على حسب المناطق المختلفة المناخ فجاء الجنس الأبيض في الجزء الشمالي من الكرة الأرضية وذلك لشدة برودة المناخ فيها واحتاجهم لاكتساب الحرارة الخارجية إلى داخل الجسم من اى مصدر حار أما سكان أفريقيا وخصوصا الجزء الأسود فأنهم يقطنون خط الاستواء والأقاليم الغربية منه وهم يحتاجون بطبيعة الحال إلى كثرة وجود المواد الملونة باللون الأسود في الخلايا الغائرة في الجيد حتى تقيهم حرارة إشعاع الشمس إلى داخل الجسم فكان منهم اللون الأسود كما أن الأغذية التي يتعاطاها هذا الجنس وأكثرها من الحوامض والفواكه الكثيرة المختلفة التي تحتوى أعاصير قلوية تكثر من هذه المواد السوداء في عملية التغذية وكذلك الجنس الأحمر فأنه يقطن من جنوب المنطقة الشمالية وشمال المنطقة المعتدلة ذلك الجنس الذي يكثر فيه التغذية بمواد سكرية ونشوية تؤول في بعض الأحيان إلى مواد كلية  فلونه يصبح احمر لكثرة تجول الدم في خلايا البشرة

 

والآية الأخرى التي نحن بصدد التكلم عنها والتي تبين مقدار عذاب الله يوم القيامة هي قوله ( إن الذين كفروا  بآياتنا سوف نصليهم ناراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذقوا العذاب إن الله كان عزيزاً حكيما ) بينا فيما سبق أن الجلد يتكون من عدة طبقات من الخلايا والغائرة منها هي النشيطة والتي منها يتكون الجلد باستمرار وبين خلايا الجلد تنتشر العقد الحساسة , هذه العقد تحس بالحرارة والرطوبة وغيرها فإذا عرض جزء من البشرة إلى جسم حار تنقل هذه العقد الإحساس إلى المركز الحساس في العمود الفقري فيصدر هذا بدوره إشارتين احدهما إلى الأعصاب المنتشرة في الجزء المعرض للحرارة فينعكس مبعداًُ العضو عن مصدر الحرارة وذلك ما يسمى بالإحساس المنعكس

 

والإشارة الأخرى التي يرسلها نخاع العمود الفقري هي إلى العقل حيث يدرك الإنسان ذلك الإحساس ويصدر أوامر أخرى إلى العضلات المختلفة في الجزء من البشرة الذي عرض للمصدر الحار حتى يبتعد الجزء الذي عرض للحرارة عن المصدر الحار بسرعة إن لم يكن قد تأثر أولا بواسطة الإحساس المنعكس

 

مما تقدم ترى بين خلايا البشرة تنتشر عقد الإحساس فلو نزعنا البشرة وعرضنا جسم الإنسان لمصدر حار ما حمى الإنسان بالحرارة حيث أن مصدر الإحساس قد نزع , كما انه لو عرض جسم الإنسان تلهب فأول ما ينضج من جسمه هو الجلد وعند ذلك يكون الإنسان في غاية من التألم حتى يزول الجلد فلا يحس الإنسان باللهب فهو سبحانه الذي يعلم السر وما اخفي مطلع على خفايا الأمور هو العزيز الحكيم أراد أن يذيق الكافرين يوم القيامة اشد العذاب فهو يبدل لهم الجنود كما نضجت حتى لا ينقطع الإحساس الآتي من الجلد عن المراكز الخاصة وفى ذلك بيان كل البيان على وجود العقد في الجلد

 

انظر كيف خص سبحانه الجلد بالتبديل ولم يخص غيره من الأعضاء تجدكم في القرآن من آيات محكمات هن أم الكتاب (( إن هو إلا ذكر للعالمين , لمن شاء منكم أن يستقيم , وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين ))

 

 

 

ولماذا لا يتحدث القرآن عن عجائب العلم ويميط عنه اللئام وهو الذي واجه العقول بحقائق ما انطوى عليه العلم وأشهده الأفئدة صورا من الحسن المصون والجوهر المكنون حتى قارب ما بينهما وبينه فكان الحق بذلك معالم بين أعينهم لا يغيب عنهم طرفة عين عنه لا يغفلون وفى عجائب قدرته وغرائب حكمته قد يتحيرون وحق لهم الحيرة في هذا الصنع العجيب وهذا التدبير الغريب .

 

بل ولما نقف مكتوفي الايدى فيما جاءنا به هذا التنزيل أمام الأثر الوارد والتفاسير السابقة التي لن تكشف لأربابها المادة عما احتوت من عناصر ومركبات ومن آيات بينات وهو الذي يخبرنا في محكم آياته إخبارا بما سيجئنا به العلم من بيناته ( ولتعلمن نباه بعد حين) وهذا الكتاب الذي وصفه سبحانه بقوله ( حم , تنزيل من الرحمن الرحيم , كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون ) ذكر في هذا الوصف سبحانه التفصيل ولم يذكر الإيجاز فأدخل في دائرة هذه الكلمة علوم الأولين والآخرين وجعل هذه العلوم آيات لقوم يعلمون , وأي آية في محيط هذا الكون لا تقوم على دعامتي البحث والتنقيب وأي إيمان لا يقوى إلا بعد التمحيص والتهذيب بل ولقد اجمع العلماء على الشك في صحة إيمان المقلد الذي لم يتدرج به البحث العلمي إلى صحة الاعتقاد بانكشاف أسرار المراد سبحانه وتعالى عما يصفون .

 

إذاً فالبحث العلمي الذي يؤيد القرآن فيما جاءنا به وأشار هو وان كان فرض كفاية يقوم به خلص أحبابه ومريديه إلا انه يكاد أن يكون فرض عين على أهل هذا البحث يطلبونه ولو بالصين ولا اقل من أن يواجهوا العالم ببعض الغرائب وهذه العجائب حتى يقوى اليقين بما أتانا به هذا القرآن المبين , واليوم وقد بينا فيما سبق من هذا الينبوع حقائق ناصعة جاء بها الذكر الحكيم في أطوار التكوين متتابعة فلذا نرجو في هذا المقال أن نصل بك إلى كيفية خلق الزوجين الذكر والأنثى التي نقتبسها من وراء هذه الآية الكريمة ( أيحسب الإنسان أن يترك سدى , ألم يم نطفة من منى يمنى , ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ) , حقائق التكوين مجموعة في آية وأسرار التعيين من مبدئها للنهاية مرموزة في هذه الآية فما أجل وما أغنى وما أقنى , تمشت هذه الآية مع المنطقة إبان تطورها حتى خلقت ذكراً آو أنثى فهي تنص على أن التخليق يكون عند العلقة كما قال سبحانه في آية أخرى ( والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا ) والمعلوم أن بعد رتبة النطفة تتخلق العلقة , تقول الآية الكريمة ( ألم يك نطفة من منى يمنى ) والنطفة في الذكر مجموعة حيوانات منوية متحركة بالطبع كما أن نطفة الأنثى بويضات غير متحركة وتنتج النطفة في الذكر والأنثى من انقسام الخلية الحمضية والمبيض مصداقا لقوله تعالى ( فلينظر الإنسان مما خلق , خلق من ماء دافن , يخرج من بين الصبي والتراب ) والخلايا التي تنتج منها الحيوانات المنوية تتكاثر تكاثراً اختزالياً اى تنشطر كل منها إلى نصفين عدد الكروزومات التي بها نصف ما تحتويه الخلية الأصلية كما بينا ذلك فى مقال سابق , فتحتوى خلية الإنسان على 48 كرموزوم أو (( أمشاج )) على حد تعبير القرآن هذه الأمشاج كما قلنا سابقا على قضبان قصيرة تحتفظ في حناياها وجميع نواحيها بالأوصاف الوراثية خلقا وخلقا لهذا الكائن الحي من هذه الثمانية وأربعين كرموزوما في الذكر ست وأربعون مشابهة للأنثى أما الاثنين الباقيين فحدهما يشبه كروموزومى الأنثى الباقيين واحدها في شبه خاص فذا رمزنا للأول المشابه لكروموزومى الأنثى بحرف ( أ ) والذي له شبه خاص بالحرف ( ب ) ينتج عند تكوين منى الرجل نوعين احدهما يحتوى على ( 23 كرموزوم + 1 ) والآخر يحتوى على ( 23 كرموزوم + 1 )

 

أما خلية الأنثى فتحتوى على 48 كرموزوم منها 46 ما شبهة للذكر والاثنين الباقيين مشابهين للكروموزم ( 1 ) في الذكر فعند الانقسام يتكون بيض متشابه من عدد الكروموزمات .

 

ولوجود والكروموزوم (أ ) في بعض منى الذكر والكروموزوم (ب) في البعض الآخر الحكمة الأولى في تكوين الذكر والأنثى إذ لو أخصب المنى المحتوى على ( 23 كروموزوم +ب ) البيضة التي تحتوى على _( 23 كروموزوم + أ ) كان عدد وشبه الكروموزمات الناتجة هي عين الكروموزمات التي توجد في خلية الذكر اى أن نتيجة ذلك الإخصاب تكوين الذكر .

 

كما انه لو أخصب المنى المحتوى على ( 23 كروموزوم + أ ) بيضة الأنثى التي تحتوى على ( 23 كروموزوم + أ ) فإن عدد وشبه الكروموزمات الناتجة عين الكروموزمات التي توجد في خلية الأنثى اى أن نتيجة ذلك الإخصاب تكوين الأنثى , اى أن  هناك خلق في بعض منى الذكر وهو الكروموزوم (( ب )) وان هناك تساوى وتشابه في بعض منى الذكر لبيضة الأنثى , فتدل الآية الكريمة (( ثم كان علقة فخلق فسوى , فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى )) دلالة صريحة مطابقة على ما جاءت به النظرية العلمية في قوله سبحانه (( فخلق )) اى اوجد خلقا في بعض نطفة الذكر الذي هو الكروموزوم ((ب )) حيث إذا تلقحت البيضة به أنتجت خلق الذكر كما تدل سياق الكلمة التي بعدها في قوله سبحانه
(( فسوى )) إلى المساواة والتشابه بين كروموزمات بعض نطفة الذكر للأنثى .

 

ولقد يلذ للقارئ أن يعلم هذه النظرية قد أيدها صلوات الله في غير مرة في أحاديثه الشريفة

 

قال صلى الله عليه وسلم ( اصنعوا ما بدا لكم فما قضى الله فهو قائم وليس من كل الماء يكون الوالد ) تبارك الله الذي انزل على دعوته محكم لآيات العلم والهم رسوله صلوات الله عليه جلي بيناته فأنت ترى من وراء قوله صلى الله عليه وسلم ( وليس من كل الماء يكون الولد ) تحقيقاً لهذه النظرية العلمية التي أثبتها العلم الحديث , فما أوضحنا سالفا يتبين أن نطفة الذكر تنقسم إلى قسمين قسم يحتوى على 23 كروموزوم _ أ والآخر على 23 كروموزوم +ب , والذكر الذي هو الولد لا ينتج من كل المنى بل من بعضه كما بينا ذلك فيما سبق .

 

سبحانه الذي انزل على رسوله صلى الله عليه وسلم القرآن فيه تبيان لكل شيء وآتاه مثل القرآن وهو الحديث الشريف حتى يتم نعمته على العالم اجمع وبين الطريق القويم والصراط المستقيم وها هو العلم الحديث يؤيد ما جاءنا به الرسول الكريم مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم ( أن الله ليؤيد الإسلام برجال ما هم من أهله )

 

 

 

الصفحة 1 من 4