نبذة عن الشيخ احمد ماضى ابو العزائم

 

مولده:

        اتفقت جميع الروايات(1) التى أرخت لحياة الشيخ أحمد ماضي أبو العزائم أنه ولد عام 1862م، دون ذكر لليوم أو الشهر الذى ولد فيه ولعل ذلك يرجع إلى عدم حرص السيد أحمد ماضي نفسه على تدوين لحظات مولده أو تسجيل صفات حياته كعادة أهل الصدق مع الله تعالي، وسيم أصحاب الآخرة الذين لا يرجون علوا فى الأرض ولا فسادا.

        وقد تحققنا من صحة هذا الروايات التى أجمعت على أن ميلاد السيد أحمد ماضي كان فى عام 1862م مما ذكره نجله السيد محمود أحمد ماضي أبو العزائم عندما قال " يكبر السيد أحمد شقيقة السيد محمد بسبع سنين فقط " (2).وأخوه هذا هو الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم الذى ملا الدنيا عطا وصلاحا، وحفظ له التاريخ ذلك وكلما مر يوم على وفاته، رفع الله تعالي ذكره بين الناس وأعلي من مكانته، واستخدم أهل العلم على نشرا آثاره وعلومه وإذا كان ميلاد الإمام محمد ماضي أبي العزائم لإخلاف عليه حيث إنه ولد صبيحة يوم الإثنين لسبع وعشرين من شهر رجب عام ستة وثمانين مائتين وألف من الهجرة. الموافق الرابع والعشرين من نوفمبر لعام 1869م الميلادي" (3) فإن ذلك يؤكد صحة تاريخ ميلاد السيد احمد ماضي عام 1962م وكان هذا الميلاد فى قرية ( محلة أبى على) من أعمال مركز دسوق مديرية الغربية من بلاد مصر بعد أن ربطت المصاهرة بين أسرة السيد أحمد بن مصطفي جد المترجم له ولأبيه، وأسرة السيد العربي الفرجاني جده لأمة حيث تزوج السيد عبد الله المحجوب بن أحمد بن مصطفي بمهدية السيد العربي الفرجاني وكان ثمرة هذا الزواج أربعة من الذكور وأربعة من الإناث. أما الذكور فأحمد ومحمد ومحمود وأبو الحمايل، وأما الإناث فهانم وزينب وشفيقة والسيدة (4).

 

 

 

 

(1)      أنظر: السيد محمود أحمد ماضي الو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته مؤسسة دار الهلال القاهرة- الطبعة الأولي 1416هـ صت 186 – أحمد حسين الطماوي جريدة الأخبار المصرية – العدد 24 لسنة 1978 ، ص6.

(2)             أنظر: محمود أحمد ماضي: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته، ص 181.

(3)             عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم حياته جهاده آثاره دار الطباعة الحديثة القاهرة طبعة أولي سنة 1972م، ص19.

(4)             أنظر السابق: ص 16 ، ص 17.

أسمة ونسبة:

        إذا كانت البيئة واحدة، والأصل ينبثق من رحم واحدة، فإن النسب واحد لا محالة، وهذا ما ينطبق على كل من السيد أحمد ماضي أبو العزائم وأخيه الإمام السيد محمد ماضي أبي العزائم الذى أعلن عن أسمه ونسبه قائلا: " أنا العبد الخويدم المسكين المنكسر القلب. المضطر إلي فضل الله تعالي ورحمته أبن عبد الله محجوب بن احمد بن مصطفي بن إبراهيم بن ماضي نسبة ما سمعته من والدي، وإلي الحسن بن على عليه السلام من جهة والدتي ذرية الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه، والشيخ حسني النسب"(1).

        ومن ثم يعرف السيد أحمد بأنه أحمد بن عبد الله محجوب بن أحمد بن مصطفي ولذا فإن أسرة السيد أحمد ماضي " عربية الأزمة (2) قرشية المنبت هاشمية النسب مغربية عراقية فى الأصل مصرية البيئة والتربية والنشأة يجري فى عروقها دم عربي وإسلامي أصيل.

        تنتمي الأسرة إلى الأمير ماضي بن مقرب من بني هلال وهو الذى أسس مدينة عين ماضي بالمغرب الأقصى ومن ولده الشيخ أبى العزائم ماضي رفيق الإمام أبي الحسن الشاذلي (3) صاحب الطريقة الشاذلية الشهير ووارثه عليها حيث استقر مقامة فى صحبة القطب إبراهيم الدسوقي (4) بعد وفاة شيخه أبى الحسن الشاذلي (5) رضي الله عنهم جميعا.

        ولذا عرف السيد أحمد ماضي أبو العزائم بأحمد ماضي، نسبة إلى المدينة العربية التى ينتمي إليها وهى مدينة " عين ماضي" بالمغرب الأقصي.

        كما أشتهر منذ حياة بالشيخ أحمد، وذلك لما أظهره من التزام بتعاليم الدين، وحفظه لحدوده وحفظة وإتقانه لكتاب والله تعالي، والإلمام الجيد بعلوم الدين وكتب السنة المطهرة وقد ظهر كل ذلك فى آثاره العلمية وكتاباته الأدبية وفكره الديني المتميز و العميق.

       

 

          

(1)               السيد محمد ماضي أبو العزائم: اصول الوصول – مطبعة الجمالية – القاهرة – طبعة أولي سنة 1912م ص 3.

(2)      الإرمة: البلدة أو القبيلة ( انظر مختار الصاح باب الهمزة – مع الراء والميم – لمحمد بن ابى بكر الرازي – دار التنوير العربي – بيروت – لبنان طبعة 1405ه، /1985م ، ص14.

(3)       أبو الحسن الشاذلي: هو على بن عبد الله بن عبد الجبار، ولد فى بلدة غمارة بالمغرب عام 593هـ وتوفي عام 656هـ اشتهر بالعمل والورع وهو شيخ الطريقة الشاذلية.

(4)       إبراهيم الدسوقي : هو الإمام برهاني الدين إبراهيم بن عبد العزيز أبو المجد ولد بمدينة دسوق بمصر عام 653هـ وتوفي عام 696هـ وهو شيخ الطريقة البرهامية.

(5)       أنظر: عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم ، ص 16-17.

كذلك لقب السيد أحمد ماضي " بشيخ الصحافة الإسلامية والعربية" (1) لما حققه فى ميداني الصحافة من نجاح كبير ومكانه مرموقة جدتها جملة من المقالات كتبها بجريدة الآداب المصرية،والدور البارز الذى قام به فى تأسيس وانتشار جريدةالمؤيد المصرية مع صديقة الشيخ على يوسف وهكذا كان للسيد أحمد ماضي حظ وافر من حسبة ونسبة، فهو الحسيني من جهة والده، والحسن من جهة والدته، وأجد أبناء أعرق القبائل العربية التى سكنت المغرب الأقصي ولذلك فهو " السيد والشيخ" أحمد ماضي أبو العزائم رضي الله تعالي عنه وعن آل بيت رسول الله صلي الله عليه وسلم جميعا.

 

حياته ونشأته:

        اشتملت حياة الشيخ أحمد ماضي ابى العزائم على مجموعة من العوامل زادت من تميزها كما تمتعت نشأته ببعض العناصر التى أعلنت من قيمتها وكشفت عن خصوصيتها ولعل من هذا العوامل حفظ الرأس وموضع الميلاد وهى بلدة محلة أبى على التى نزلت بها أسرة الشيخ عبد الله المحجوب فى العقد الثالث من القرن التاسع عشر الميلادي تقريبا.

        ولقد اتخذت بلدة محلة أبى على وضعا ممتاز بالنسبة لإقليم الغربية كله منذ العصور الإسلامية الأولي حيث بني بها مسجد بعد الفتح الإسلامي لمصر كان بمثابة جامعة إسلامية يأتي إليها الطلاب من كل حدب وصب كما اشتهر علماؤه بغزارة العلم والتقوى والورع والزهد وحول هذا المسجد أقيم كثير من المساجد (2) هذا من الجانب الديني.

        أما من الجانب الأقتصادى والعلمي فقد كانت هذا القرية قبل إنشاء مدينة طنطا " مرسي للسفن التى تجوب النيل محلة بحاصلات البلاد، مما جعلها مركز تجاريا واقتصاديا مهما. وكان للازدهار السياسي والعملي الثقافي فى إلى جانب المركز التجاري أثر كبير على بلدة محلة أبى على خاصة وعلى إقليم الغربية عامة لكونه كعبة القصاد من أهل العلم والتجار وكذلك من الأولياء والصالحين وقد نتج عن ذلك ازدهار فى حياة الناس الدينية والثقافية وكذلك التجارية والاقتصادية فكانت لهم كنز من الثقافات الدنيوية وكذلك الثقافات الروحية (3) التى انعكست على السيد عبد الله المحجوب وأسرته الكريمة وفى مقدمتهم السيد أحمد ماضي لأنه كان أكبر الأبناء ومن المجد بن فى طلب العلم والإيمان.

   

 

 

(1)               أنظر: عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ص17 .

(2)                عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، صت 18 بتصرف.

(3)               السابق : صت 18 بتصرف.

كما تعد النشأة الدينية والعلمية التى ربي عليها السيد عبد الله المحجوب أبناءه من أبرز العوامل التى لقمت عقل السيد أحمد ماضي وزادت من نضوجه الفكري ونوعت من زاده الثقافي: مما أسهم فى تكوين شخصية متعددة الثقافات ومتنوعة العطاءات المادية والمعنوية حيث عهد السيد عبد الله المحجوب إلى أحد علماء الأزهر الشريف الذى يثق فى غزارة علمه وفى ذلك يقول الإمام أبو العزائم " كنا نحفظ القرآن جميعا ثم أحضر لنا الوالد عالما من الأزهر يسمي الشيخ عبد الرحمن عبد الغفار وكلفة أن يحفظنا متون العلوم ومن الموطا محفظنا من الفقه حتي أقرب المسالك حتي السنوسية ومن النحو الأجرومية والألفية، ومن التوحيد الإمام النجاري للزبيدى، ثم كلفه أن يعلمنا النحو (1) فنشأ الأبناء الرغبة العارمة فى تحصيل العلوم وتعلم اللغات والألوان الثقافية والآدبيه المختلفة.   

فكان تحصيل العلوم التى لم يدرسها السيد احمد ماضي فى الازهر موجبه وديدنه والباعث على شراء الكتب العلمية ومطالعتها وتحصيل ما فيها وفى ذلك يقول الشيخ أحمد ماضي " إني منذ كنت طالبا بالأزهر الشريف كنت شديد الرغبة فى تحصيل العلوم التى لم تدرس فى الأزهر، وذلك لأن والدي غفر الله له كان عالما بالطب القديم وبعلوم الفلك وما يتعلق بذلك من العلوم التى كان يعتني بها العلماء فى كل زمان فنشأت أنا وشقيقي السيد محمد ماضي أبو العزائم نشتاق على تحصيل تلك العلوم ودعاني هذا الشوق إلي تعليم لغات أجنبية حتى اشتعلت بالسياسة (2).

    وقد كشفت كتاباته عن سعة ثقافته وتعدد مهاراته وقدراته وقد حثته هذه الثقافة الواسعة على عدم البقاء طويلا فى احد المدارس القبطية كمدرس للغة العربية. إذا سرعان ما أعد العدة لإصدار أكبر جريدة عربية إسلامية فى مصر والعالم العربي مع شريكة الشيخ على يوسف (3) وهى جريدة المؤيد التى صدرت عام 1889م فى مصر.

ومن أهم العناصر المؤثرة فى نشأة السيد أحمد ماضي والفاعلة فى تكوينه الديني والثقافي وكذلك العلمي هو والده السيد عبد الله المحجوب أحد علماء الأزهر الشريف الذى برشيد من بلاد مصر عام 1248هـ - 1828م. وتوفي بها عام 1311هـ - 1891م بعد حياة حافلة بالعطاء الديني والعلمي لأبنانة وأبناء قريته (4).

 

(1)               الإمام محمد ماضي أبو العزائم : اصول الوصول ، ص 3.

(2)               السيد أحمد ماضي أبو العزائم: وسائل إخطار الحق مطبعة الجمالية – القاهرة طبعة أولي – 1332هـ - 1914م، ص3.

(3)               محمود احمد ماصي أبو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ج 1 ص13.

(4)       انظرا: محمد السيد المليجي: الشيخ محمد ماضي أبو العزائم ودورة فى النصوص الإسلامي- رسالة ماجستير ( مخطوطه) – كلية دار العلوم – جامعة القاهرة -1415هـ-1995م، ص14

 

فقد عرف بسعة علمه الديني وخاصة علم التصوف وكذلك علم الطب والفلك وغيرها من العلوم الآخري المتعلقة بها. وكان يمتلك خزانه كتب نفسية تمتلئ بنفائس الكتب وجواهر الآثار العلمية التى تتسع لمعظم فروع العلم وضروب المعرفة.

        وقد أكد السيد أحمد ماضي ذلك عن أبيه عندما ذكر أن والده غفر الله تعالي له ورضي عنه " كان عالما بالطب القديم وبعلوم الفلك، وما يتعلق بذلك من العلوم التى كان يعتني بها العلماء فى كل زمان(1) كما يشير الإمام محمد ماضي أبو العزائم إلى أن والده كان يدرس لأبنائه أبوابا من ( أحياء علوم الدين للغزالي كما كانت له خزانه كتب نفيسة (2) ويتبين من النصوص السابقة أن السيد عبد الله المحجوب من الذين أنعم الله عليهم بما يسعد دنياهم وأخرهم أن شاء الله تعالي، وذلك لأن الحق تعالي " بسط له الرزق مما كان يتجر فيه من واردات المغرب الأقصي وبما كان له من شركة مع عائلة شتا هم أعيان مركز وسوف من نصيب فى مطحن بخاري بمحلة أبى على هذا ومن محلج للقطن ببلدة رشيد على ساحل البحر الأبيض المتوسط هذا مع نصيب وافرض العلم قل أن يوجد مع من شغلتهم دنياهم.

وكانت داره أشبه بمنتدى أدبي ومجمع علمي يجتمع إليه فيها فقهاء البلدة وعلماؤها بعد صلاة العشاء لتيدار سوا ويتذكروا، ويعترفوا من فهل هذا الشيخ الروي شتي أنواع العلوم (3).

        وهكذا كانت حياة السيد أحمد ماضي مليئة بالدعائم الأساسية التى تحقق التعدد الثقافي والنضوج الفكري، ومن ثم كان نتاجه الفكري راقيا كما كان أسلوبه اللغوي جزلا وعطاؤه العلمي متنوعا ومتجددا.

        وكانت السمات العلمية والأدبية التى تحلت بها شخصية السيد احمد ماضي أحد العوامل التى ميزات كتاباته، وجذبت الكثير من أفراد الشعب المصري بل والشعوب الإسلامية إلى متابعة هذه الكتابات والتماس السبل التربوية والخصائص العلمية التى تمتع بها هذا الكتابات.

كما كانت المكانة الإعلامية التي وصل إليها شيخ الصحافة العربية السيد أحمد أبو العزائم من أبرز السبل التى جمعته بصفوة أهل العلم والأدب والسياسة فى مصر والعالم العربي والإسلامي.

    فكان صديقا حميما للزعيم سعد زغلول وعلى باشا مبارك والشيخ على يوسف والعالم الجليل رحمة الله الهندي أحد علماء علم مقارنة الأديان ومؤلف كتاب " إظهار الحق" (4).

(1)               أحمد ماضي أبو العزائم: وسائل أخطار الحق ، ص3.

(2)               الإمام محمد ماضي أبو العزائم : اصول الوصول، ص3و ص4.

(3)               محمود ماضي أبو العزائم: صفحات من حياة الإمام ج 1 ، ص6وص7.

(4)               أنظر: السيد أحمد ماضي أبو العزائم : وسائل أظهار الحق، ص 4

والشيخ محمد عبده والزعيم مصطفي كامل(1) كما طارت شهرته إلى بلاد الإفرج وكان إتقانه للغة الإنجليزية وللغة الفرنسية من وراء مصاحبته للساسة ورجال الحكم فى هذه البلاد ومن هؤلاء ( ادوار دبراون) مستشار دار المعتمد البريطاني فى ذلك الوقت وغيره من أصحاب المراكز العلمية والسياسية الأخرى(2).

        فكانت حياة السيد أحمد ماضي رغم قصرها مليئة بالأحداث السياسية والعلاقات الاجتماعية الراقية وكذلك المكانة العلمية والأدبية التى كانت من وراء شهرته فى مصر والعالم العربي والإسلامي.

مكانته عند الإمام أبى العزائم:

        من شيم أئمة الزمان وقادة الفكر وزعماء الإصلاح أن تتسع صدروهم للغريب قبل القريب وأن يغمر فضلهم المسي وقبل المحسن وأن يشمل عطفهم المبكرة القالي قبل المحب المغالي وهذه هى القيم التى ربي عليهم الإمام محمد ماضي أبو العزائم نفسه وأتباعه، ومن ثم كان أحد الأئمة المعاصرين الذين جدد الله تعالي بهم دينه الحنيف فى هذا الزمان.

        ربطت النشأة الطبية والتربية الحسنة بين الإمام محمد ماضي أبو العزائم وباقي إخوته وخاصة المجدين مثله فى طلب العلم وهم السيد أحمد ماضي الذى يكبره بسبع سنين والسيدة زينب.

        وقد أثني الإمام أبو العزائم على هذه النشأة عندما أشار إليها فى مقدمة كتابة       ( أصول الوصول) قائلا: " ولما نشأت حفظت القرآن الشريف بمكتب بها (3) وكنت فى هذا السن قائما بخدمة زاويتنا بها من الآذان والنظافة وجدا لا أمرا وكنت مع شقيقي المرحوم السيد أحمد ماضي أبو العزائم المشهور ببلاد مصر بعلوم الدين وبخدمة الوطن وهو الذى أسس جريدة خدمة لجماعة المسلمين(4).

 

 

 

 

 

(1)               عبد المنعم محمد شقرف: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ص26.

(2)               انظرا: أحمد حسين الطماوي: وقال عن السيد احمد ماضي – جريدة الأخبار المصرية العدد 24 لسنة 1978 : ص 6.

(3)               أي ببلدة محلة أبى على.

(4)               الإمام محمد ماضي أبو العزائم: أصول الوصول، ص 3.


فنظرا رحمك الله تعالي إلى الأدب الجم الذى  يتجمل به الإمام أبو العزائم مع أخيه السيد أحمد ماضي فى قوله " شقيقي المرحوم السيد" وأنظر أيضا على إظهار الإمام للمكانة التى كان عليها السيد أحمد ماضي المشهور ببلاد مصر الذى أسس مع الشيخ على يوسف جريدة ( المؤيد) والدور البارز الذى قام به من خلال كتاباته لجمع الشمل العربي وخدمة جماعة المسلمين وعز علي السيد أحمد ماضي أن يترك أخاه وشريكه في طلب العلم والتعليم الإمام أبي العزائم فى بلدة محلة أبى علي خاصة بعد أن توقيت والدتهما فألح " على والده بضرورة صحبة شقيقة معه للأزهر الشريف(1) وحفظ الإمام هذا الصنيع فذكره فى حديثه عن حياته ونشأته قائلا: " وفي السنة السادسة عشرة من عمري توجهت إلي الأزهر الشريف وكان شقيقي إذ ذاك مدير جريدة المؤيد فاشتغلت فى تلقي العلوم(2).

        ولم يتوقف حب السيد أحمد ماضي لأخيه الإمام أبى العزائم عند إتاحة الفرصة له لتلقي العلوم وزيادة الصالحين ومصاحبة علماء مصر والأزهر الشريف ولكنه استثمر زيارته لصديقة على باشا مبارك مؤسس مدرس دار العلوم، فى منزلة مصطحبا معه شقيقة الإمام أبى العزائم وألحقه بها، بعد أن أتم سن قانون مدرسة دار العلوم الذى صدق عليه مجلس النظار فى أول شعبان سنة 1304هـ - 25 أبريل سنة 1887م (3).

        وفى ذلك يقوم الإمام أبو العزائم " ثم كلفني شقيقي أن أنتظم بمدرسة دار العلوم الخديوية فتلقيت بها ما هو مقرر لطلبتها(4) وظل السيد أحمد ماضي يتابع أخاه الأصغر ويشد من أزره حتى ينج امتحان القبول ثم تخرج فى دار العلوم وعين مدرسا بمدرسة المنيا فى أوائل سنة 1311م ثم جاء دور الإمام أبى العزائم ليفصح عن مدي حبه وارتباطه بأخيه الأكبر السيد أحمد ماضي الذى انتابه مرض فى الرئة، وهذه قوة شبابه فاعتلت صحته وانتهز أهل الفتنة الفرصة فأوقعوا بينه وبين شريكه الشيخ على يوسف،

 

 

 

 

 

 

(1)               السيد محمود ماضي أبو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ج1، ص13.

(2)               الإمام محمد ماضي أبو العزائم: أصول الوصول، ص 4.

(3)               السيد محمود أحمد ماضي ابو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم ، ص 13وص14.

(4)               الإمام محمد ماضي ابو العزائم: أصول الوصول، ص4


وافلحوا فى فص هذه الشركة لقاء مبلغ من المال لم يلبث أن نقذ فى مدة وحيرة فى مداواة هذه العلة الطارئة (1) فلم يجد الإمام أبو العزائم بدا من زيادة الجهد والبحث عن أبواب عيش إضافية تكفي للإنفاق على مرض أخيه الأكبر وتحمل أعباء إخوته جميعا.

        فكان " يعمل من الصباح الباكر إلى الظهيرة فى المدرسة ويعطي دروسا خصوصية لأبناء الطبقة الراقية من أصدقائه وعار فى فضلة من بعد العصر إلى الهزيع الأول من الليل" (2) وظل الإمام أبو العزائم ينفق على أفراد أسرته وأسرة أخيه السيد أحمد وملاحظا لحالته المرضية حتى حلت الأجازة المدرسية لعام 1892م فقرر الرجوع إلى القاهرة ليخفف الم البعيد عن أخيه ويبقي بجانبه انتهاء الأجازة الصيفية، فعاد إلى عمله بمدرسة المنيا الابتدائية فى أوائل أكتوبر 1893م ربيع الأول 1311هـ. ولكن شأوت الأقدار وكشفت الأيام عن منزلة الإمام أبي العزائم عند الله تعالي، عندما لحق به أخوه الأكبر السيد أحمد بتبديل طقس مصر البارد، بدف مدينة المنيا قسر الإمام بذلك وقام بدور الأب والأخ البار بجميع أفراد أسرته وما تتطلبه الحالة المرضية لأخيه السيد أحمد من أدوية وعلاجات، حتى وفته المنية عام 1894م فكان الإمام أبو العزائم نعم الأخ ونعم الصديق الذى وفى بأخية وصديقة السيد بتربية أبنه ونجله السيد محمود احمد ماضي وكان له نعم الأب والعم والمربي وانظرا رعاك الله بعنايته إلي حسن الخلق الذى عليه الإمام أبو العزائم عندما قال " ومن على سبحانه بشقيقي السيد محمود، ومن على بأبي الحمائل وولدي محمود واخواتة (3) فجعل من حمل المسئولية لأخوته وأبنائهم ومن هؤلاء أبن أخيه السيد محمود أحمد ماضي أبى العزائم  نعمة أمتحن الله تعالي بها عليه وشرفه بها حتى حقق لهم جميعا حياة فاضلة وكريمة.

        فرضي الله تعالي عن الإمام محمد ماضي أبى العزائم وأثابه على قدرة جوده وفضله نظير ما قدمه لأخية الأكبر السيد احمد ماضي ولأفراد أسرته وللمسلمين جميعا من عطاءات علمية ورعاية اجتماعية وصحية طوال الحياة.       

 

 

 

 

 

 

(1)               السيد محمود أحمد ماضي ابو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم ، ص 21

(2)               السابق: ص 22

(3)             الأمام محمد ماضي أبو العزائم: أصول الوصول، ص6.

أثاره:

   ترك لنا السيد أحمد ماضي أبو العزائم أثارا علمية وأدبية تقسيم بالندرة والجزالة والأفكار المستحدثة التى ترتبط بواقع المجتمع الإسلامي بصفة خاصة، والمجتمع الإنساني بصفة عامة كما امتدت إلى خلجات النفسي البشرية وعالجت معظم أمراضها وقومت أنماط سلوكها وتوجهاتها ولعل هذه الأفكار العلاجية التى قدمها السيد احمد ماضي لأمراض النفوس والعقول البشرية واضحة وجلية فى مقالاته الصحفية أكثر من الكتب العلمية أو الدواوين الأدبية، وذلك تلبية لمقتضيات الحياة الثقافية التى كان يحياها فى رحاب صاحبة الجلالة والتى سيطرت على جل أقواته، واستغرقت كل طاقاته حتى أثرت على صحته فى آخر أيامه وكانت من أهم الأسباب التى جليت عليه الإلتهاب الرئوي الذى توفي على أثره بعد أن ضرب أروع المثل فى ا لجهاد بالقلم وقول الحق ودحص الباطل والذود عن الديار الإسلامية بالنفس والمال.

    وقد حفظ لنا السيد محمود احمد ماضي أبو العزائم من تراث والده ما يلي:

1)    كتاب وسائل أظهار الحق.

2)     ديوان شعر

3)    مقالات صحفية.

وفى هذا يقول " إني بقطرتي حريص على حفظ الآُثار العلمية والفوائد الأدبية التى أنعم الله بها على سيدي ومرشدي السيد محمد ماضي أبو العزائم وسيدي أحمد ماضي أبو العزائم وكان من وأثر سيدي السيد احمد ماضي أسكنه الله تعالي الفردوس الأعلي هذه الرسالة المسماة بوسائل إظهار الحق وديوان شعر وبعض سوغ أدبية، ولا أزال حريصا على تلك الآثار خصوصا وأنها ليست أثارا خاصة ولا منافع ذاتية ولكنها نفع عام وخير شامل لجمعي الناس، (1) وقد نشرت هذه الآثار وفيما يلي عرض مجمل لمضمون كل منها.

أولا: كتاب وسائل إظهار الحق:

       ذكر السيد احمد ماضي أبو العزائم مغزاه وأعرب عن صدقة من تأليف هذا الكتاب حيث يقول " كنت أكره الجدل ولكني أحببت ان أكتب هذه الرسالة وأسميها ( وسائل إظهار الحق) تتمة لكتاب صديقي الشيخ رحمة الله الهندي ولكن القلم كان ينزع كثيرا إلى الأمور الاجتماعية كما هى عادة رجال السياسة والصناعة طبع خامس ولم أرد بكتابتها إلا بيان الحقيقة لدعاة النصرانية وتنبيه إخواني

 

(1)                         أنظر: السيد احمد ماضي أبو العزائم : وسائل إظهار الحق مقدمة السيد محمود أحمد ماضي أبو العزائم، ص 2.


المسلمين لأغراضهم الباعثة على ذلك. والله تعالي أسال أن ينفع بها ويحفظ دعاة النصرانية من التعصب إلى غير الحق عند مطالعنها وعن على إخواني المسلمين بالسكينة والاعتصام بالكتاب والسنة (1) ومن حديث السيد احمد ماضي يتبين لنا أن الكتاب يشتمل على قضيا تعالج مشكلات المجتمع الإسلامي من جانب، وقضايا أخري تفند أراء المتطرفين والمعصبين من دعاة النصرانية.

        ومن القضايا التى تعالج مشكلات المجتمع الإسلامي حياة المسلم المنزلية وبيان الواجب على المسلم لأفراد عائلته (2) وسقطة الفرد فى المجتمع المدني وأثرها على المجتمع (3) وكيف وبم ومتي يعود هذا المجتمع كما كان (4).

         وقد جسد السيد أحمد هذه المشكلات عندما كشف عن أثرها على تقدم المجتمع الإسلامي ثم نجح فى تقديم العلاج الناجع لهذه المشكلات ويهدي فى الوقت نفسه إلى الأسباب الحضارية التي تعيد المجد الإسلامي السابق أما القضايا الأخرى التى تفند أراء المتعصبين من دعاة النصرانية فمنها: مكائد أحبار اليهود ضد المسيح (5) وبطلان القول بصلب المسيح (6) وبيان أن المسيح لم يأت بدين جديد غير دين موسي سمان بالنصرانية (7) وغيرها من القضايا التى توفق بين الناس جميعا عن طريق دين الإسلام.

 

ثانيا- ديوان الشعر:

       سبقت الإشارة إلى أن السيد أحمد ماضي كان يقرض الشعر، كما كان له ديوان (8) من الشعر يعبر عن تمكنه من اللغة العربية ومفرداتها ومعانيها المستغربة، كما يظهر تمتعه بموهبة نظم الشعر التى تؤكد إرهاق الحسن وصدق المشاعر وغزارتها عند الشيخ أحمد ماضي.

 

 

 

(1)     السيد احمد ماضي أبو العزائم: وسائل إظهار الحق، ص 3.    

(2)      أنظر : السبق : ص14-15.

(3)      السابق : ص 18-19.

(4)      السابق: ص 20-41.

(5)      السابق: ص 47-50.

(6)      السابق: ص 50-56.

(7)      السابق : 63-64.

(8)      أنظر: أحمد ماضي أبو العزائم : وسائل إظهار الحق، ص 3.


        بل بعض القصائد التى اطلعت عليها عن عمق المعاني والأفكار التى تحملها هذه القصائد وتشير إليها تلك الأبيان، كما تبرهن فى نفس الوقت على قدرة السيد احمد ماضي فى الولوج إلى خفايا النفس والتسلل إلى خلجاتها والإفصاح عما بها من الأم وأمراض تحتاج إلى طبيب حاذق يخلصها من هذه الأمراض.

ومثال ذلك قوله:

عللاني أو فاتر كأني وشانئ                 ودعاني اجب لمن قد دعاني

أنا أدري بحالتي ي خليلي           فما ننفع المني والأماني

     فلتما تنجلي الغيوم قريبا             وصدقتكم لكن بأي زمان

     رحم الله مهجتي قد براها            طول هذا السري وبعد المكان (1)

        فهذه الأبيان تظهر ما يعتلج الشاعر من هموم والآم يريد بنها إلى صاحبية كما تكشف عن معاناته من قضايا أمته التى طال سجنها تحت وفاة الاستعمار الأجنبي الذى شتت جمع الأمة وفرص وحدتها فتراه بيوم فى موضع أخر من القصيدة عن هذه الألأم فيقول:

        أنا طول الزمان أطعن ولكن             لست أدمي بالطعن إلى بناني

        من رأني فقد رأني ولكن          لم يضعني فى كفة الميزان

        ليس به حاجة وأنت خبير               لطلان فى الدهر أوعلان (2)

        وهكذا تشير هذه الأبيان إلى معاناه الشاعر لما تمر به الأمة الإسلامية وما يقع بينها من معارك وخلافات تدمي الجسد الإسلامي.       

 

ثالثا- مقالاته الصحفية:

       يمكن القول بأن تراث السيد احمد ماضي العلمي والأدبي يكمن فى المقالات التى نشرها فى مجلتي الآداب المصرية سنة 1887م والمؤيد المصرية من سنة 1889حتى سنة 1891م.

        وقد جمعت هذه المقالات بين الإسهامات العلمية والأدبية وكذلك الدينية والسياسية التى حفظ بها السيد احمد ماضي مكانته فى الصحافة المصرية والعربية واستحق بمقتضاها أن يكون شيخا للصحافة الإسلامية والعربية (3). جسيما يذهب إلى ذلك احد الباحثين.

       

(1)               جزء من قصيدة للسيد احمد ماضي نشرت بجريدة الأدب المصرية – العدد 43 سنة 1304 هـ- ص63.

(2)               السابق: ص64.

(3)               انظر: عبد المنعم محمد شقرق:الإمام محمد ماضي أبو العزائم، ص 17، 26.


فمن يطالع هذه المقالات يجد زاد أثقافيا ومنهجا تربويا ينافس القضايا الدينية والسياسية والاجتماعية التى كانت تعيشها الأمة الإسلامية والعربية آنذاك (1).

كما يلاحظ من يتتبع هذه الكتابات مدي الجهد أذى بذلة السيد احمد ماضي فى خدمة أمته الإسلامية والعربية.

ويكفي أن نشير فى هذا المقام إلى أن إسهامات السيد احمد ماضي فى مجال الصحافة العربية والإسلامية فى حاجة إلى باحثين يتمتعوا بهمة عالية وأدوات بحثية موفورة تستطيع أن تكشف النقاب عن حقيقة هذه الإسهامات، وتبرز الدور الذى قام به هذا الشيخ فى تأسيس صرح الصحافة المصرية والعربية والإسلامية.

ولعل من أهم ثمرات هذه الدراسة أنها وفرت للباحثين مجموعة المقالات التى نشرت للشيخ احمد ماضي فى جريدة الآداب وكذلك ابرز وأهم الكتابات التى نشرت له فى جريدة المؤيد تم تركت الحكم للباحثين فى التعرف على الأبعاد الثقافية والعلمية لتشخصيه هذا الشيخ الجليل بالإضافة إلى تحديد مكانته فى الصحافة المصرية والعربية ودورة الوطني

 

وفاته:

       كان السيد احمد ماضي حريصا على الوفاء بما عاهد عليه جمهور وقراءه أمانه الكلمة وصدق الإحساس تجاه ما تمر به الأمة الإسلامية والعربية من أحداث جسام تقيد حركاتها وتعهوق تقدمها نجو التحضر والرقي.

كما كانت  المسئولية العظمي التى إلفاها الشيخ على يوسف على عاتق السيد احمد ماضي ذات أثر كبير على صحته وعافيته التى استهلكنها العمل فى جريدة المؤيدة المصرية حيث كانت جريدة يومية تتطلب كثيرا من الجهد حتى يمكن تربعها على عرش الصحافة المصرية والعربية آنذاك.

فكان السيد احمد ماضي مدير تحريرها لمدة تزيد عن عامين، تحمل خلا لهما أعباء النشر والكتابة فى شتي المجالات والأحداث التى كانت تواجه الأمة العربية وكان الشيخ على سوف على سفر دائم خارج البلاد. كما كانت ثقته فى صديقة الوفي الشيخ احمد ماضي ( الطائف الجوي) من وراء غيابة الكثير عن مصر ودعن الدور المنوط به تجاه هذه الجريدة.

  

 

(1)            انظر: جريدة الآداب المصرية – الاعداد (19-20-21-22-23) لسنة 1889م وانظر: جريدة المؤيد اليومية – لسنة 1889م -1891م 


وكان السيد احمد ماضي صابر ومثابر على هذا العمل المضني، ولذلك " ارتفع ذكره وعلا شأنه واحتلت جريدة المؤيد مكان الصدارة فى حصف الشرف العربي ولكن سرعان ما أثر هذا المجهود المضني على صحة الشيخ احمد ماضي، وانتابه مرض بالرئة أجهز على قوة شباب حتى اعتلت صحته(1).

ولما تغلب المرض على الشيخ احمد ماضي وانقطع عن الكتاب لجريدة المؤيد استثمر بعض شياطين الإنس هذا الانقطاع المشروع وأوقعوا بين الصديقين ( والشيخ احمد ماضي والشيخ على يوسف) " عم دب وينهما خلاف أنتهي باستقلال على سوف بالمؤيد مقابل عشرين جنيها ذهبيا(2).

   وقد زاد هذا الأمر من ضعف الحالة الصحة للسيد احمد ماضي عندما نفدت هذه الجنيهات على الداء والدواء دون تحسن فى الصحة أو تقدم فى  العافية فعز ذلك على أحد أصدقاء وأقرب أطبائه فنصحه محمد دري باشا بالإقامة فى جو جاف فسافر إلى المنيا فى أواخر عام 1893م ليقيم عند شقيقة السيد محمد ماضي (3) هود باقي أفراد الأسرة.

فسر بذلك الإمام أبو العزائم وحقق له ولأفراد عائلته كل سبل الطمأنينة وطرق العلاج وكان ذلك فى أواخر عام 1893من الميلاد ويصف السيد محمود ماضي ابو العزائم نجل المترجم له الأيام الأخيرة للسيد أحمد ماضي وما حدث فيها فيقول " ولم يبدأ شهر ديسمبر فى تلك السنة حتي لحق به شقيقة وعائلته وأخواه السيد محمود وأبو الحمايل وكان قد عد له سكنا بجوار مسجد سيد الفولي ولأتسل عما خالج ضمير الأخوين من فرح وسرور بهذا اللقاء فى بلدة صفا جوها وخلص من رطوبة مصر الأمر الذى كان ينشدة شقيقة فى مرضه الشديد فتحسنت صحته فى الأسبوع الأول من إقامته بالمنيا.

ولكن الرياح على حد قول الشاعر تأتي بما لا تشتهي السفن، ولم يخطر على بال تلك العائلة الوادعة التى ظفرت بطلبة عائلها من دفء فى الجو أن تواجه أزمة عصيبة بفقد عميدها فى نكسة لم تمهله ساعات وفى صبيحة يوم السبت الثالث عشر من يناير سنة 1894م السابع من رجب سنة 1311هـ، وبعد أن فرج شقيقة المدرس لمدرسته وكانت حالته على غير ما يحبها شقيقه إذا بهذه النكسة تصيبه ولما أحن بالموت يد نومنه استدعي شقيقة من المدرسة فجاءه على عجل ومعه مفتش صحة المديرية وجمهرة من أصدقائه الأطباء الذين فحصوا شقيقة فحصان دقيقا ووصفوا له بعض

 

(1)   السيد محمود أحمد ماضي ابو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته ج 1 ص 21 بتصرف.

(2)   احمد حسين الطماوي: مقال بجريدة الأخبار المصرية – العدد 24 لسنة 1978، ص 6.

(3)   احمد حسين الطماوي: مقابل بجريدة الأخبار المصرية، ص 6، عام 1978م

       


الأدوية الملطفة لحدة النكسة ولكن الأمر لم يطل فقد لفظ نفسه الأخير قرب الجر مبكيا على شبابه تاركا وراءه حسرة فى قلب شقيقة لم تفارقة طوال أيام حياته ولوعة كنت أحسن أثرها فى نفسه كلما عاودتنا ذكراه طبيب الله ثراه وجعل الجنة منقلبة ومتواه وسرعان ما طير البرق هذا الفجيعة إلى الصحف (1).

فنشرت جريدة " الفرائد المصرية خبر الوفاة مقدمة العزاء للإمام محمد ماضي ابو العزائم حيث جاء فى الخبر فى 13 يناير سنة 1894م كانت وفاة الشيخ احمد ماضي أحد محرري جريدة المؤيد الغراء وخوجة العلوم العربية بمدرسة الأقباط الكبري سابقا.

وقد كان الفقيد المشار  إليه عالما فاضلا كثير الإطلاع طويل الباع ليس فقط فى العلوم العربية بل فى غيرها من الطبيعيات والرياضيات ولطالما قام بالمباحث المهمة وألقي الخطابات الجمة فى جمعية الاعتدال التى لم يسبق لها فى الديار المصرية مثال.

    ولقد أسف على فقد هذا الفاضل كل من عرف شريف خصاله ومكارم أخلاقة وكانت وفاته بالمنيا فشيعة أيعانا ووجهاؤها بمشهد حافل يليق بمقامة وقضي مأسوفا عليه فى نضاره عمره، فنقدم لحضرة أخيه الفاضل الشيخ محمد ماضي مراسم التعزية ونسأل الله تعالي أن يلهمه الصبر والسلوان(2).

وفى مقبرة أحد أعيان المنيا ويدعي علي أفندي خطو كان مثواه الأخير حيث دفن الجسد الطاهر فى حوش عائلة هذا الرجل. ويذكر السيد محمود احمد ماضي ابو العزائم عن السبب الذى أدي إلى أن يدفق السيد احمد ماضي فى مقبرة على أفندي خطو يكشف به ملامح قبول والده عند الله تعالي وعلوا مكانته وسمو درجته فى الجنة إن شاء الله تعالي فيقول " جاء حضرة ناظر مدرسته ومعه رجل من المنيا لم يعرفه الأستاذ من قبل، وانتحي به الأستاذ ناحية من المجلس وإذ به يعرف نفسه لأستاذ أنه على أفندي حظوا وأن له رسالة يريد أن يؤديها ولما سأله الأستاذ عن هذه الرسالة قال : رأيت الليلة الماضية أن سيدي أحمد البدوي جاء فى وقال لي : لقد مت هذه الليلة ببلدكم، فقم وادفني بمكان كذا فى مقبرتكم واستيقظت فزتما من نومي عم استغرقت فى النوم ثانية فجاءني هذا الشيخ مرة ثانية وأيقظني بعد أن ألقي على ما ألقاه فى المرة الأولي وقبيل صلاة الفجر جاءني الثالثة وردهله ما ذكره أولا وزادني أن أهب إلى المدرسة الأميرية فستجدني هناك وما أن أصبحت حتى هرولت إلى المدرسة وألقيت بحضرة الناظر شبابه وصلاحية وتقواه(2).   

(1)   السيد محمود احمد ماضي ابو العزائم: الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته، ص 1 ص 23، ص 24.

(2)   السيد محمود احمد ماضي أبو العزائم : الإمام محمد ماضي أبو العزائم صفحات من حياته ج 1 ص 24.

(3)   جريدة الفرائد المصرية – العدد 7 -15 يناير سنة 1894 م – 8 رجب سنة 1311هـ - السنة الثانية – ص 97.


ولم يكن ذلك ضرنا من نسج الخيال أو قصة أسطورية حكاها نجله السيد محمود ليرفع بها شأن والده عند الناس أو حتى عند أهله ولكن يمكن القول بأن رحمات الله تعالي قريبة من المحسنين ويعد السيد احمد ماضي من أصدق المحسنين مع الله تعالي ومن اخلص المخلصين لأهله وزاوية وأبناء أمته العربية والإسلامية.

وتشهد كتاباته بمدي إخلاصه لله وللوطن، ودرجة صدقة مع نفسه ومع أبناء العروبة والإسلام ويكفي أن تشير إلى جملة المقالات التى كتبها السيد احمد ماضي عن الدين بجريدة الآداب المصرية التى أرودها المؤلف فى القسم الثاني من هذا الكتاب.

 كما تشير المقالات العديدة التى سطرها قلمه بجريدة المؤيد إلى سعة فضله على أبناء أمته العربية والإسلامية عندما حثهم كثيرا على الصدق ونبذ الأنانية وحب الذات والتمسك بآداب الأخوة الإسلامية والحرص علي التصدي للاحتلال الأجنبي ودفع خطر الاستعمار عن الديار المصرية والإسلامية.

        فما هذا المقالات والنداءات إلام سلحة فتاكة أطلقها الشيخ احمد ماضي خالص لوجه الله تعالي فى وجه كل حاسد معتد أثيم ومن ثم أنزله الحق تعالي منزلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقتا ذلك ألفضل من الله وكفي بالله عليما(1).